بقلم خليفة عبد السلام –
لم يعد النص الأدبي بحاضره ذلك الفعل البسيط الذي يُقاس بسلامة اللغة أو بقدرة الكاتب على حبك الحكاية فحسب، قد تجاوز حدود التوقع وصار فعلا مركبا ومتشعبا ومحملا بأسئلة الوجود والهوية والمعرفة والقلق الإنساني.. فمن الطبيعي أن يتطور الكاتب ليصبح وقعه لافتا؛ إذ لم يعد مجرد ناقل للتجربة، بل أصبح منتجا للرؤية وصانعا للأسئلة، ومغامرا في اللغة والبناء والأسلوب والفلسفة.. وأمام هذا التحول العميق يصبح من المشروع، بل من الضروري جدا مساءلة النقد ذاته- هل تطور الناقد بالمقدار نفسه؟ وهل ما تزال أدوات النقد قادرة على استيعاب النصوص الجديدة دون أن تتحول إلى معاول تكسر الإبداع بدل أن تكشف جمالياته؟!
إن الإبداع الحقيقي لا ينمو في بيئة تخاف المغامرة ولا في فضاء نقدي يصر على محاكمة النصوص بأدوات قديمة لا ترى إلا ما اعتادت رؤيته.. فكم من نصوص عظيمة وُوجهت في بداياتها بالرفض أو التهكم أو الاتهام بالغموض فقط لأن الناقد لم يكن يمتلك الأدوات الكافية لقراءتها وخانته الرؤية، وهنا تبرز الإشكالية الكبرى: حين يتطور الكاتب وتتوسع تجربته الفكرية والفنية بينما يبقى النقد أسير قوالب جاهزة ومناهج مستهلكة فإن العلاقة بين الطرفين تتحول من علاقة كشف وتفاعل إلى علاقة صدام وإقصاء
لقد اعتاد النقد التقليدي أن يبحث عن “المعنى المباشر” و”الرسالة الواضحة” و”الالتزام بالشكل” لكن النصوص الحديثة تجاوزت هذه الحدود.. فالرواية المعاصرة مثلا لم تعد مجرد سرد للأحداث و أصبحت فضاء فلسفيا ولغويا مفتوحا، تتداخل فيه الأزمنة والهويات والأصوات، وتنكسر فيه البنية التقليدية للكتابة. والشعر كذلك لم يعد يعتمد فقط على الوزن والصورة، بل صار طاقة تأملية ولغوية عميقة، تنفتح على الفلسفة وعلم النفس والأسطورة والرمز. فكيف يمكن لناقد يمتلك أدوات جامدة أن يقترب من نصوص بهذه الكثافة؟ علمنا أن الإبداع هو عملية خلق في الأصل انطلاقا مما كان موجود في ظل وعي شديد بالعملية
إن الأزمة الحقيقية ليست في وجود النقد، فالإبداع يحتاج دائما إلى عين تقرأه وتحاوره وإنما في نوعية هذا النقد.. الناقد الحقيقي ليس قاضيا يصدر الأحكام النهائية ولا يضع ذائقته الخاصة معيارا يزن عبرها جمالية العمل و بنفس الوقت يرفس المعايير العلمية، لكنه يجب أن يكون قارئ يمتلك وعيا جماليا وفلسفيا ومعرفيا يسمح له بالدخول إلى عوالم النص دون تعال أو أحكام مسبقة.. أما حين يتحول النقد إلى سلطة متعالية فإن الخطر لا يهدد الكاتب وحده وأنما يهدد الثقافة نفسها.. لأن كثيرا من المشاريع الإبداعية قد تُجهض مبكرا بسبب قراءة قاصرة أو متسرعة أو تفتقر لأدوات علمية حقيقية
ومن هنا يصبح واجبا مساءلة الناقد عن أدواته وآلياته كما نُسائل الكاتب عن نصه.. هل يقرأ الناقد بعقل منفتح؟ هل يواكب التحولات الفكرية والفلسفية والجمالية؟ هل يمتلك معرفة عميقة بالسياقات الإنسانية والمعرفية التي أنتجت النص؟ أم أنه ما يزال يعتمد على أحكام انطباعية أو على مناهج فقدت قدرتها على التفسير؟
إن النقد المعاصر مطالب اليوم بأن يعيد تعريف نفسه. لم يعد كافيا أن يكون الناقد حافظا للمصطلحات أو مكررا للمناهج، إنما ينبغي له أن يكون شريكا في إنتاج المعنى.. فالنصوص الكبرى لا تُقرأ بسطحية ولا تُختزل في تصنيفات جاهزة لأنها نصوص تتجاوز حدود اللغة إلى مساءلة الإنسان نفسه. ولهذا فإن الناقد الذي لا يتطور يتحول تدريجيا إلى عائق أمام الإبداع حتى وإن كان يظن أنه يحمي الذائقة أو يدافع عن “الثوابت الفنية”
من أقسى ما قد يحدث للمشهد الثقافي هو أن يخاف المبدع من النقد ليس لأنه نقد عميق ولكن لأنه نقد قاس وفقير معرفيا في الوقت نفسه.. فالإبداع يحتاج إلى بيئة تسمح له بالتجريب والخطأ والمغامرة، لأن كل تحول كبير في تاريخ الأدب بدأ باعتباره خروجا عن المألوف.. ولو أن النقد مارس دائماً دور “الحارس المحافظ”، لما تطورت الرواية، ولا الشعر، ولا المسرح، ولا أي شكل فني آخر
لهذا فإن العلاقة الصحية بين الكاتب والناقد يجب أن تقوم على الحوار لا الوصاية، وعلى الفهم لا الإدانة، وعلى التطور المشترك لا على ثبات طرف وتغير الآخر.. فالكاتب الحقيقي يتطور مع الزمن والتجربة والرؤية، والنقد الحقيقي يجب أن يمتلك الشجاعة ذاتها لكي يعيد النظر في أدواته باستمرار.. إن الإبداع لا يُكسر فقط بالقمع أو التهميش، قد يُكسر أيضا بنقد عاجز عن فهمه أو بالأحرى لايملك قدرة على فهمة
القضية ليست صراعا بين الكاتب والناقد، لكنه سؤال ثقافي أعمق- هل نمتلك اليوم نقدا يوازي مستوى التحولات التي يعيشها الأدب والفكر؟ أم أننا ما نزال نقرأ النصوص الجديدة بعين قديمة تخاف المختلف وتُقصي كل ما لا يشبهها؟! إن مستقبل الإبداع مرهون بوجود نقد حي، متجدد، وواعٍ بأن مهمته ليست قتل الدهشة وإنما حمايتها وكشف أفقها الإنساني والجمالي
لأنه في الأخير وبما أن العملية عكسية، عدم قدرة تطور النقد هو بمثابة السكين الحاف التي ستذبح الإبداع ومنه ستمنعه من أي تطور وستحرمه من المغامرة والتفكير والتمرد .. وتطور النقد سيمنح الجرأة والرغبة للكاتب لأن يمضي خارج الممكن.
