بقلم أ. عبد العالي لعجايلية –
يُعرَّف الجهل المقدّس فلسفيًا بوصفه حالة ذهنية واجتماعية يُعاد فيها إنتاج القصور المعرفي باعتباره «حقيقة مكتملة» لا تقبل النقد أو المراجعة. في هذه الحالة لا يُنظر إلى الجهل كمرحلة نقص قابلة للتجاوز، بل كمنظومة يقينية مغلقة تكتسب طابعًا شبه قدسي يجعل مساءلتها فعلًا مرفوضًا أو مُدانًا.
يتحوّل السؤال من أداة للفهم إلى تهديد للنظام الفكري القائم، ويتحوّل النقد من ممارسة معرفية إلى خروج عن النسق. بذلك ينغلق الوعي على ذاته، ويبدأ في إنتاج يقين يستمد قوته لا من صدقه، بل من مناعته ضد الاختبار.
وقد ارتبط هذا المفهوم في الفكر النقدي الحديث بتفكيك أنظمة الحقيقة واليقينيات الدوغمائية. فعند فريدريك نيتشه تُفهم الحقيقة بوصفها بناءً يتخفّى خلفه صراع الإرادات، بينما يحلل ميشيل فوكو تشكّل المعرفة داخل شبكات السلطة التي تحدد ما يُعد حقيقة وما يُستبعد خارجها. أما كارل بوبر فقد رأى أن حيوية المعرفة لا تقوم إلا على قابليتها للنقد والتفنيد، وأن المجتمعات المنغلقة هي تلك التي تحوّل معتقداتها إلى حصون لا تُمس.
غير أن الجهل المقدّس أقدم من المصطلحات التي حاولت تفسيره، وأوسع من الأطر التقليدية التي حُصر فيها. فالتاريخ الإنساني يكشف أن كثيرًا من أنظمة الاعتقاد المغلقة لم تكن تخشى الخطأ بقدر ما كانت تخشى السؤال. ولعل تاريخ المعرفة يقدم شواهد لا حصر لها على ذلك؛ فكم من فكرة علمية قوبلت بالرفض لا لضعف أدلتها، بل لأنها اصطدمت بتصورات مستقرة عن العالم. لم يكن الصراع في كثير من الأحيان بين الحقيقة والخطأ بقدر ما كان بين السؤال واليقين، بين أفق جديد يسعى إلى الانفتاح ومنظومة تخشى أن تفقد توازنها إذا سمحت لذلك الأفق بالظهور.
ولم يعد هذا النمط حكرًا على الفضاءات التقليدية أو الدينية؛ بل إن المفارقة المعاصرة تكشف أن الأكاديميا والتيارات الفلسفية الحديثة تقع أحيانًا في الفخ ذاته، حين تحوّل مصطلحات الحداثة وما بعد الحداثة إلى أصنام معرفية جديدة يُمنع نقدها، ليتحول معها المفكر إلى حارس معبد جديد، يمارس انغلاق الوعي بلغة أكثر تعقيدًا ورقيًا.
لذلك لا يبدو الجهل المقدّس حادثة تخص عصرًا أو تيارًا بعينه، بل نمطًا متكررًا من أنماط الوعي البشري كلما تقدّم الاطمئنان إلى الحقيقة على حساب البحث عنها.
وهم المعرفة لا فجوة الأمية
ليس الجهل دائمًا فراغًا معرفيًا بسيطًا. فهناك جهل يدرك صاحبه نقصه فيسعى إلى تجاوزه، وهناك جهل أكثر تعقيدًا يتمثل في «وهم المعرفة».
في هذا النمط لا نكون أمام عقل فارغ، بل أمام عقل ممتلئ بإجابات جاهزة تمنحه شعورًا زائفًا بالاكتفاء. هنا لا يعود الجهل نقصًا واعيًا، بل يتحول إلى هوية فكرية صلبة. والأخطر أنه يتقمص شكل المعرفة نفسها، فيستخدم لغتها ومصطلحاتها لتثبيت حدوده بدل فتحها.
في هذه الحالة لا يُقدَّم الجهل باعتباره نقصًا يحتاج إلى تعلّم، بل باعتباره معرفة مكتملة لا تحتاج إلى مراجعة. وهنا تتشكل النواة الصلبة لما يمكن تسميته بالجهل المقدّس: معرفة مغلقة تعفي نفسها من السؤال، وتتعامل مع الشك كما لو كان عيبًا لا أداةً من أدوات الفهم.
السيكولوجيا الخفية لطمأنينة اليقين
من منظور نفسي، لا يظهر الجهل المقدّس كخلل معرفي بسيط، بل كآلية دفاع ضد القلق الوجودي.
فالإنسان حين يواجه عالمًا متغيرًا ومفتوحًا على الاحتمالات، يميل بطبيعته إلى البحث عن أرض صلبة يقف عليها. لذلك لا تنشأ بعض القناعات من قوة البرهان بقدر ما تنشأ من الحاجة الوجلة إلى الطمأنينة.
يتحول اليقين هنا إلى ملاذ نفسي أكثر منه نتيجة بحث معرفي. ومع مرور الزمن تصبح القناعة جزءًا من توازن الذات، بحيث يبدو التشكيك فيها وكأنه تهديد للاستقرار الداخلي نفسه.
ومع ذلك، فإن الانتصار للسؤال لا يعني الدعوة إلى سيولة معرفية مطلقة تجعل الفكر عاجزًا عن الاستقرار أو الفعل. فالوعي الإنساني يحتاج إلى محطات يقين مؤقتة يستند إليها في بناء حياته الفردية والجماعية، لكن المعضلة تبدأ حين تتحول هذه المحطات إلى نهايات نهائية، وحين يخشى الوعي الأفكار الجديدة لا لأنها ضعيفة، بل لأنها قادرة على إعادة فتح الأبواب التي أُغلقت خوفًا من القلق واللايقين.
هندسة القطيع وسلطة الانتماء
اجتماعيًا، لا يعيش الجهل المقدّس في عزلة فردية، بل داخل بنية جماعية تعيد إنتاجه بصورة مستمرة.
في كثير من السياقات تتحول الفكرة السائدة إلى معيار للانتماء، ويصبح القبول الاجتماعي مشروطًا بدرجة التماهي معها. عندئذ لا يُقاس الفرد بقدرته على التفكير، بل بمدى التزامه بما تعتقده الجماعة.
يصبح السؤال علامة خروج عن الصف، ويغدو الاختلاف تهديدًا للتماسك الرمزي. لا يُقصى المختلف لأنه مخطئ بالضرورة، بل لأنه يذكّر الآخرين بإمكانية وجود بدائل لم يتخيلوها.
يشبه هذا العقل الجمعي مدينة شُيّدت أسوارها من الأفكار ذاتها. يدخلها الناس طلبًا للأمان، ثم يكتشفون أن الأبواب التي حمتهم من الخارج منعتهم أيضًا من رؤية الأفق. ومع مرور الزمن لا يعود السور مجرد وسيلة للحماية، بل يتحول إلى جزء من تعريف الحقيقة نفسها. عندها يصبح الخروج إلى فضاء السؤال مغامرة مقلقة، ويغدو البقاء داخل الأسوار فضيلة اجتماعية. وهكذا لا تُقاس قيمة الفكرة بقدرتها على التفسير، بل بقدرتها على المحافظة على تماسك الجدار.
تجليات الجهل المقدّس في الحياة اليومية
لا يحتاج الجهل المقدّس إلى خطابات كبرى كي يظهر؛ فهو يتجلى في تفاصيل الحياة اليومية:
الارتداد إلى الماضي كمرجعية نهائية:
رفض الجديد لمجرد حداثته، والاحتماء بالموروث باعتباره معيارًا نهائيًا للحقيقة.
مقاومة التفسير العلمي:
رفض المعطيات العلمية لا بسبب ضعفها، بل لأنها تتعارض مع يقين سابق لا يُراد له أن يُراجع.
غرف الصدى الرقمية (Echo Chambers):
حيث تنغلق الجماعات الافتراضية داخل خوارزميات تعيد تدوير الأفكار ذاتها، لتصنع لكل جماعة «جهلها المقدّس» الخاص، وتمنعها من رؤية الرأي المختلف إلا من خلال صورة مشوهة عنه.
الاختزال الشعبوي للقضايا المعقدة:
تحويل المشكلات المركبة إلى شعارات بسيطة توفر راحة ذهنية سريعة، لكنها تعطل التفكير النقدي وتختزل الواقع في أجوبة جاهزة.
المفارقة الكبرى: حين يتحول الجهل إلى حارس للحقيقة
تكمن خطورة الجهل المقدّس في أنه لا يدرك نفسه كجهل. فهو يتخفّى في صورة اليقين والصرامة، ويقدّم نفسه باعتباره الحارس الأمين للحقيقة، بينما لا يحرس في الواقع إلا حدود الوعي المغلقة.
ولعل المفارقة الأعمق أن الجهل الصريح أقل خطرًا من الجهل المقدّس. فالأول يدرك حدوده أو يستطيع اكتشافها، أما الثاني فيُحكم إغلاقها ثم يعلن اكتمالها. الجاهل قد يتعلم لأنه يعلم أنه لا يعلم، أما أسير اليقين المغلق فقد حوّل حدود معرفته إلى حدود للعالم نفسه.
هنا تتجلى المعضلة الحقيقية: ليس الخطر في أن نجهل، بل في أن نتوهم اكتمال المعرفة. فأكثر العقول بُعدًا عن الحقيقة ليست تلك التي لم تصل إليها بعد، بل تلك التي أقنعت نفسها أنها وصلت، فأغلقت الأبواب خلفها.
إن الجهل المقدّس لا يبني سجونه من الحديد، بل من اليقينيات التي نتوقف عن مساءلتها. وكلما ارتفعت جدران هذا السجن ضاق الأفق واتسعت العتمة. وما يبدو لصاحبه حصنًا للحقيقة قد لا يكون في النهاية سوى متاهة محكمة البناء لا تسمح بدخول أي ضوء جديد.
يبقى السؤال في نهاية هذا المسار الفكري مفتوحًا أمام الوعي الإنساني: هل اليقين غاية المعرفة أم مجرد محطة في طريقها؟
إن الجهل المقدّس لا يقوم على نقص المعرفة بقدر ما يقوم على رفض الاعتراف بحدودها. لذلك لا يكمن الخطر الحقيقي في أن نجهل، بل في أن نتوهم اكتمال ما نعرفه. فكل فكرة تتوقف عن مراجعة نفسها تبدأ تدريجيًا في التحول من معرفة إلى عقيدة، ومن أفق للفهم إلى قيد على الفهم.
ومن هنا يصبح النقد ضرورة وجودية لا ترفًا فكريًا، ويغدو السؤال علامة صحة للوعي لا تهديدًا له. فالمعرفة الحية لا تُعرَّف بما تملكه من أجوبة نهائية، بل بما تحتفظ به من قدرة دائمة على مساءلة ذاتها.
وربما كانت الحكمة الكبرى أن الحقيقة ليست بابًا نصل إليه ثم نغلقه خلفنا، بل أفقًا كلما اقتربنا منه اتسعت أمامنا مساحات جديدة من المجهول. لذلك لا تموت العقول حين تجهل، بل حين تتوقف عن السؤال.
