بقلم خليفة عبد السلام

ليس السؤال- كم نقرأ؟ أو كم كتابا نقتني؟ وليس أيضا كم معلومة نستهلك كل يوم؟ إنما السؤال الأعمق- هل يَحدث فينا شيء عندما نتعرض للثقافة؟ هل نخرج من ذواتنا القديمة إلى ذوات أخرى أكثر اتساعا؟ أم أننا نكتفي بالدوران داخل دائرة المعارف دون أن نلامس جوهر الثقافة؟!
يبدو سؤال التثاقف للوهلة الأولى سؤالا بسيطًا.. لكنه في الحقيقة سؤال أنطولوجي مرتبط بكيفية وجود الإنسان في العالم، الثقافة ليست رصيدا معرفيا يمكن قياسه وليست كمية من المعلومات يمكن إضافتها إلى الذاكرة كما تُضاف الملفات إلى الأجهزة، فالثقافة في معناها الفلسفي هي تحول في الوعي وانقلاب في طريقة رؤية الأشياء
منذ أن عرّف الإنسان نفسه بوصفه كائنا عاقلا كانت الثقافة هي الوسيط الذي يعبر من خلاله من الطبيعة إلى المعنى فالإنسان لا يعيش في عالمه كما تعيش باقي الكائنات؛ إنه يعيش داخل شبكة من الرموز والتأويلات والأسئلة ولذلك كانت الثقافة شرطا من شروط الوجود الإنساني ذاته
غير أن ما يفرض نفسه بحاضرنا هو مفارقة عميقة- كلما ازدادت وسائل الوصول إلى المعرفة، تراجع حضور السؤال الثقافي الحقيقي.. لقد أصبح الإنسان محاطا بفيض هائل من الخطابات والأفكار والصور والاقتباسات حتى بدا وكأن المعرفة فقدت ثقلها الوجودي، فما كان يُكتسب سابقا بالمكابدة الفكرية أصبح يُستهلك الأن بالتمرير السريع
هنا يبرز الفرق بين المعرفة والثقافة؛ المعرفة امتلاك أما الثقافة فهي تحول، المعرفة تضيف إلى ما نعرفه أما الثقافة فتزعزع ما نظنه يقينا.. ولهذا فإن الثقافة الحقيقية ليست مطمئنة؛ إنها فعل قلق دائم- إنها ذلك الشك الذي تحدث عنه سقراط حين جعل من الاعتراف بالجهل بداية للحكمة، وليس نهايتها
إن أكبر إشكالية تواجه الإنسان المعاصر ليس الجهل، إنما امتلاؤه بوهم المعرفة- ذلك الوهم الذي يجعل الفرد يعتقد أنه أصبح مثقفا لأنه صار قادرا على استدعاء أسماء الفلاسفة أو ترديد المفاهيم الكبرى.. غير أن الثقافة ليست ما نقوله عن الأفكار، ولكن هي ما تفعله الأفكار بنا وليست الكلمات التي نحفظها وإنما الأسئلة التي توقظها في داخلنا
لقد تنبه الفلاسفة منذ زمن إلى هذه الإشكالية.. كان الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر يرى أن الخطر الأكبر لا يكمن في نقص المعرفة، بل في نسيان السؤال- فحين تتراكم الإجابات الجاهزة يموت الفكر تدريجيا وحين تتحول الثقافة إلى استهلاك رمزي يفقد الإنسان علاقته الحية بالحقيقة
من هذا المنظور يمكن النظر إلى جزء كبير من المشهد الثقافي المعاصر بوصفه إنتاجا مستمرا للمعرفة دون إنتاج مماثل للوعي- فالمثقف لم يعد بالضرورة من يعيش تجربة فكرية عميقة، بل قد يكون مجرد وسيط ينقل الأفكار بين الشاشات.. أما الثقافة فقد أصبحت في كثير من الأحيان رأسمالا رمزيا يمنح المكانة الاجتماعية أكثر مما يمنح القدرة على النقد والتجاوز
لكن الثقافة في معناها الأصيل تبدأ حيث تنتهي الطمأنينة، هي اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان أن العالم أكثر تعقيدا مما كان يظن وأن هويته ليست معطى نهائيا والحقيقة ليست شيئًا يملكه بل أفقا يسعى نحوه.. الثقافة ليست إضافة طبقة جديدة إلى الذات، إنما تفكيك الطبقات القديمة التي تمنعها من رؤية العالم
ولهذا فإن التثاقف ليس حركة نحو الخارج فقط، كذلك هو رحلة إلى الداخل أيضا.. إنه مواجهة مستمرة مع المسلمات واختبار دائم للمعتقدات وإعادة بناء للذات عبر الحوار مع الآخر ومع التاريخ ومع الأفكار الكبرى التي صنعت الوعي الإنساني
يبقى السؤال إذن مفتوحا- هل نحن فعلا نتثاقف؟
ربما نحن نقترب من الثقافة أكثر من أي جيل سابق لكننا لا نسكنها بالضرورة، وربما نمتلك من المعارف ما لم يمتلكه أسلافنا لكن امتلاك المعرفة لا يعني دائما امتلاك الحكمة فالثقافة ليست تراكما أفقيا للمعلومات كما هي تعمقا عموديا في معنى الوجود
وحين نفهم الثقافة بهذه الصورة يصبح المثقف الحقيقي ليس من يعرف أكثر ولكن من يرى أبعد وليس من يملك الإجابات بل من يحافظ على حيوية السؤال. لأنها في جوهرها الأخير ليست ما نقرأه في الكتب، إنما العكس بالضبط ما تفعله الكتب بأرواحنا.