بقلم محمد زكريا المقداد –

تتكرر في فرنسا مشاهد التوتر بعد بعض الأحداث الكبرى أو المباريات، وتظهر معها نقاشات حادة حول الشباب، العنف، والاندماج. لكن اختزال هذه الظواهر في تفسير واحد بسيط، سواء كان تربويا أو اجتماعيا صرفا، لا يعكس حقيقة الواقع المركب.

من جهة أولى، لا يمكن إنكار أن للأسرة دورا محوريًا في تشكيل شخصية الطفل. فالتربية اليومية، مستوى الحوار داخل البيت، وضع الحدود، وبناء الثقة، كلها عوامل تحدد إلى حد كبير قدرة الطفل على التمييز بين الصواب والخطأ. الطفل الذي ينشأ في بيئة مستقرة، مع متابعة واهتمام، يكون غالبا أكثر قدرة على مقاومة الضغوط الخارجية وبناء مسار متوازن، حتى في بيئات اجتماعية صعبة.

لكن في المقابل، لا يمكن تحميل الأسرة وحدها كامل المسؤولية. فالكثير من العائلات المهاجرة في فرنسا تعيش تحت ضغوط اقتصادية واجتماعية كبيرة: ساعات عمل طويلة، محدودية الموارد، وصعوبة في متابعة الأبناء بشكل دائم. كما أن بعض الأحياء تعاني من تحديات مثل البطالة، ضعف الفرص، وقلة الأنشطة الموجهة للشباب، ما يترك فراغا قد يؤثر على مسار بعض المراهقين.

إلى جانب ذلك، تلعب الصورة الإعلامية والخطاب العام دورا مهما في تشكيل شعور الانتماء. عندما يشعر جزء من الشباب بأنه يُنظر إليه دائما من زاوية سلبية أو نمطية، قد يتولد لديه شعور بالاغتراب بدل الاندماج، ما ينعكس أحيانا في سلوكيات احتجاجية أو مرفوضة اجتماعيا. ومع ذلك، يبقى هذا التفسير غير كافٍ وحده لتبرير أي شكل من أشكال العنف أو التخريب، الذي يظل مسؤولية فردية مرفوضة بشكل واضح.

الحقيقة أن ما يحدث هو نتيجة تفاعل معقد بين عدة مستويات: الأسرة، المدرسة، البيئة الاجتماعية، والسياسات العامة. لا يمكن اختزال المشكلة في “تربية سيئة” فقط، كما لا يمكن إرجاعها حصريا إلى “ظلم اجتماعي”. فالتبسيط في أي اتجاه يؤدي إلى قراءة ناقصة، وربما غير عادلة، للواقع.

من هنا، يظهر أن الحل لا يكون في تبادل الاتهامات، بل في بناء توازن حقيقي: دعم الأسرة في دورها التربوي، تقوية المدرسة كمجال احتواء وتوجيه، وتحسين الظروف الاجتماعية التي يعيش فيها الشباب. بالتوازي مع ذلك، يبقى من الضروري تعزيز ثقافة المسؤولية الفردية، بحيث يدرك كل شاب أن خياراته وسلوكه جزء أساسي من مستقبله، بغض النظر عن خلفيته.

في النهاية، لا يمكن فهم هذه الظواهر إلا عبر النظر إليها كصورة كاملة، لا كجزء واحد منها. فبين البيت والمجتمع، تتشكل حياة جيل كامل، يحتاج إلى فهم أعمق من الأحكام السريعة، وإلى حلول تجمع بين العدالة الاجتماعية والتربية الواعية.