بقلم براهمية عبدالسلام –

تَحتَ سَقْفِ كُوخٍ رِيفِيٍّ دَافِئٍ، يَغْفُو عَلَى كَتِفِ رَبْوَةٍ مَنْسِيَّةٍ، عَاشَ رَجُلٌ يَقْنَعُ بِالقَلِيلِ وَيَسْمُو بِالخُلُقِ الجَلِيلِ. لَمْ يَكُنْ يَمْلِكُ مِنْ حُطَامِ الدُّنْيَا إِلَّا قُوتَ يَوْمِهِ بِالحَلَالِ، لَكِنَّهُ كَانَ يَكْنِزُ بَيْنَ جَوَانِحِهِ قَلْبًا يَتَدَفَّقُ شَهَامَةً وَنُبْلًا.
فِي ذَلِكَ الكَنَفِ الـمُتَوَاضِعِ، تَقَاسَمَ مَعَ زَوْجَتِهِ الصَّالِحَةِ مُرَّ العَيْشِ وَحُلْوَهُ، وَرَعَيَا طِفْلَيْنِ كَانَا لَهُمَا بِمَثَابَةِ النُّورِ فِي عَتَمَةِ الأَيَّامِ؛ وَلَدٌ وَبِنْتٌ، غَذَّاهُمَا الأَبُ عَلَى مَائِدَةِ الفَضِيلَةِ، يَحْدُوهُ أَمَلٌ بَاسِمٌ أَنْ يَرَاهُمَا يَوْمًا فِي قِمَمِ الـمَجْدِ وَالصَّلَاحِ.
وَفِي ذَاتِ لَيْلَةٍ شَاتِيَةٍ، عَصَفَتْ فِيهَا الرِّيَاحُ وَتَلَبَّدَتِ السَّمَاءُ بِالغُيُومِ، قَادَتِ الأَقْدَارُ هَذَا الرَّجُلَ النَّقِيَّ إِلَى رِوَاقِ الـمُسْتَشْفَى الـمَحَلِّيِّ بِالـمَدِينَةِ. هُنَاكَ، كَانَ السُّكُونُ يُمَزِّقُهُ أَنِينٌ خَافِتٌ، وَرَجُلٌ يَرْتَدِي مَلَابِسَ الأَثْرِيَاءِ يَجْلِسُ مُنْكَسِرًا، يَضَعُ رَأْسَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَقَدْ ضَاقَتْ عَلَيْهِ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ. كَانَ ابْنُ رَجُلِ الأَعْمَالِ الشَّهِيرِ يَحْتَضِرُ عَلَى فِرَاشِ السَّقَمِ، يَحْتَاجُ جُرْعَةً طَارِئَةً مِنْ زُمْرَةِ دَمٍ نَادِرَةٍ جِدًّا، حَبَسَتْ أَنْفَاسَ الأَطِبَّاءِ وَقَطَعَتْ آمَالَ العَائِلَةِ.
لَمْ يَتَرَدَّدْ رَجُلُ الـمَبَادِئِ وَلَمْ يَتَلَوَّمْ، وَبِلا أَيِّ مُقَابِلٍ، تَقَدَّمَ كَالغَيْثِ الـهَاطِلِ لِيُحْيِيَ الـمَوَاتَ. شَمَّرَ عَنْ سَاعِدِهِ، وَتَبَرَّعَ بِدَمِهِ طَوْعًا. وَعَلَى مَدَارِ سَاعَاتٍ طِوَالٍ مَشْحُونَةٍ بِالقَلَقِ، تَرَجَّحَتْ فِيهَا القُلُوبُ بَيْنَ اليَأْسِ وَالرَّجَاءِ، وَالخَوْفِ وَالأَمْنِ، حَتَّى انْقَشَعَتِ الغُمَّةُ، وَتَنَفَّسَ الصَّبِيُّ الصُّعَدَاءَ، فَعَادَتِ الـمُهْجَةُ إِلَى الجَسَدِ العَلِيلِ، وَعَادَتِ الابْتِسَامَةُ إِلَى وَجْهِ الأَبِ الـمَلْهُوفِ.
نَظَرَ رَجُلُ الأَعْمَالِ إِلَى هَذَا المُنْقِذِ الفَقِيرِ، فَرَأَى فِيهِ نَفْسًا أَبِيَّةً لَا تُقَدَّرُ بِثَمَنٍ، فَأَبَى إِلَّا أَنْ يَقْتَرِنَ الثَّرَاءُ بِالوَفَاءِ كَمَا اقْتَرِنَ الفَقْرُ بِالسَّخَاءِ. عَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يُغَادِرَ شَظَفَ العَيْشِ فِي الرِّيفِ لِيُصْبِحَ مُسْتَشَارًا مُؤْتَمَنًا فِي شَرِكَتِهِ، وَنَقَلَهُ وَأُسْرَتَهُ مِنْ ضِيقِ الكُوخِ إِلَى رَحَابَةِ القَصْرِ، لِتَنْقَلِبَ صَفْحَةُ حَيَاتِهِ مِئَةً وَثَمَانِينَ دَرَجَةً؛ بِمَوْقِفٍ بَطُولِيٍّ سَطَّرَهُ بِدَمِهِ لَا بِكَلِمَاتِهِ.
لَمْ تَكُنْ أَنْوَارُ الـمَدِينَةِ وَلَا بَهَارِجُ الـمَالِ لِتُعْمِيَ بَصِيرَةَ الأَبِ عَنْ رِسَالَتِهِ الأُولَى؛ بَلْ زَادَتْهُ إِصْرَارًا. كَانَ لِوَلَدَيْهِ الـمُوَجِّهَ الـمُرَافِقَ، وَالـمُرَبِّيَ الصَّادِقَ، يَقُصُّ عَلَيْهِمَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ العَاصِفَةَ لِيُلَقِّنَهُمَا أَنَّ صَنَائِعَ المَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ، وَأَنَّ بَذْرَةَ الخَيْرِ لَا تَمُوتُ وَإِنْ طَالَ بِهَا الزَّمَنُ.
وَكَأَنَّ بَرَكَةَ ذَلِكَ الإِحْسَانِ الخَالِصِ نَمَتْ فِي عُقُولِ الصِّغَارِ؛ فَتَجَلَّتْ فِي دِرَاسَتِهِمَا جِدًّا وَاجْتِهَادًا، حَتَّى تَوَّجَا مَسِيرَتَهُمَا بِشَهَادَةِ البَكَالُورْيَا بِتَفَوُّقٍ أَبْهَرَ الـجَمِيعَ. وَلَمْ تَقِفْ بَشَائِرُ الرَّحْمَنِ عِنْدَ هَذَا الحَدِّ، بَلْ دَارَتْ عَجَلَةُ الأَيَّامِ لِتُصْبِحَ البِنْتُ طَبِيبَةً نَاطِقَةً بِالرَّحْمَةِ تُدَاوِي عِلَلَ الأَجْسَادِ، وَيَغْدُوَ الابْنُ ضَابِطًا
بَاسِلًا يَحْمِي حِمَى البِلَادِ.
إنَّ الـمَغْزَى الأَسِيلَ الَّذِي نَقْتَطِفُهُ مِنْ رِيَاضِ هَذِهِ الحِكَايَةِ، هُوَ أَنَّ البَرَكَةَ إِذَا حَلَّتْ فِي رِحَابِ الأُسْرَةِ صَلُحَ شَأْنُ الأَوَّلِ وَالآخِرِ. فَالـمَوَاقِفُ النَّبِيلَةُ هِيَ بُذُورٌ نَبْذُرُهَا اليَوْمَ فِي أَرْضِ الغَيْبِ لِنَحْصَدَهَا غَدًا تَوْفِيقًا فِي الأَبْنَاءِ، وَصَلَاحًا فِي الأَحْوَالِ؛ فَمَنْ أَحْسَنَ سَعْيَهُ عِظَمَ جَنَاهُ، وَمَنْ صَلُحَ مَبْدَأُهُ طَابَ