بقلم خليفة عبد السلام –
منذ ان طرح الناقد الروسي ميخائيل باختين مفهوم (تعدد الأصوات) بوصفه السمة الجوهرية للرواية الحديثة بدا ان السرد قد تحرر من سلطة الحقيقة الواحدة ومن هيمنة المؤلف الذي يحتكر المعنى ويوزع الأدوار وفق إرادته المطلقة.. لقد أصبحت الرواية وفق هذا التصور فضاء حواريا تتجاور فيه الذوات وتتقاطع فيه الرؤى وتتعايش فيه الحقائق دون أن تتمكن إحداها من إلغاء الأخرى، غير أن التجربة الروائية اللاحقة كشفت أن التعدد ليس دائما نقيضا للهيمنة وأن الأصوات الكثيرة قد تتحول في بعض الأحيان إلى مجرد أصداء لصوت أعلى يعلو فوقها جميعا دون أن يعلن نفسه صراحة
وهنا تبرز تقنية (تعالي الصوت على تعدد الأصوات) باعتبارها إحدى أكثر التقنيات السردية تعقيدا وعمقا.. فهي لا تقوم على إقصاء الأصوات الأخرى أو إسكاتها وإنما على استيعابها داخل أفق معرفي أوسع، بحيث تبدو حرة ومستقلة في الظاهر بينما تتحرك في العمق ضمن مدار صوت مركزي يوجه دلالاتها النهائية، إن هذه التقنية لا تهدم التعددية ولكنها تتجاوزها.. فهي تسمح للأصوات المختلفة بأن تتكلم وبنفس الوقت تجعل صوتا واحدا يمتلك القدرة على تأويل كلام الجميع وإعادة إنتاجه ضمن نسق فكري أعلى
فلسفيا، يمكن النظر إلى هذه التقنية بوصفها تجسيدا للتوتر الأبدي بين الكثرة والوحدة.. فكل خطاب إنساني يسعى إلى الاعتراف بتعدد التجارب والوعيات لكنه في الوقت نفسه يبحث عن مركز يمنحه التماسك والمعنى ومن هنا يصبح الصوت المتعالي أشبه بمبدأ تنظيمي خفي، لا يظهر باعتباره سلطة قمعية ولكن باعتباره نقطة التقاء تتجمع عندها الأصوات المتفرقة، لا لأنه صوتا إضافيا بين الأصوات- كما هو الشرط الذي يمنح وجودها معنى داخل البنية السردية
وقد وُلدت الجذور النظرية لهذه الفكرة في سياق النقاشات التي أثارها باختين حول الحوارية والرواية البوليفونية في روسيا خلال النصف الأول من القرن العشرين.. غير أن التقنية نفسها لم تتبلور كمفهوم مستقل في النقد الأدبي إنما نشأت من المراجعات النقدية اللاحقة التي لاحظت أن كثيرا من الروايات التي تبدو متعددة الأصوات تخفي في أعماقها سلطة تأويلية مركزية.. وهكذا انتقل الاهتمام من سؤال- كم صوتا يتكلم داخل الرواية؟ إلى سؤال أكثر عمقا- من الذي يمتلك الكلمة الأخيرة؟
تعالي الصوت لا يتحقق بالضرورة عبر الراوي العليم التقليدي؛ فقد يتجسد في شخصية تمتلك وعيا فلسفيا أرحب من الشخصيات الأخرى أو في بنية رمزية تجعل جميع المسارات السردية تنتهي إلى رؤية محددة للعالم أو حتى في لغة الرواية نفسها عندما تمنح بعض الخطابات شرعية جمالية ومعرفية أكبر من غيرها.. وبهذا المعنى يصبح الصوت المتعالي شبيها بما يسميه الفلاسفة (الأفق المتجاوز) أي ذلك المستوى الذي يحتوي الاختلافات دون أن يذوب فيها
وتتجلى القيمة الفنية لهذه التقنية في قدرتها على تحقيق معادلة تبدو مستحيلة- الحفاظ على حيوية الحوار من جهة، وضمان وحدة الرؤية من جهة أخرى.. فالرواية التي تقوم على تعدد الأصوات الخالص قد تنتهي إلى التشظي وفقدان المركز بينما الرواية الأحادية قد تتحول إلى خطاب مغلق لا يسمح بظهور الآخر.. أما تعالي الصوت على تعدد الأصوات فيمثل حلا جماليا وسطا؛ إذ يمنح الشخصيات حق الاختلاف لكنه يمنح العمل في الوقت ذاته بوصلة فكرية تحفظ له انسجامه الداخلي
ولعل جوهر هذه التقنية يكمن في أنها تجعل السلطة السردية أكثر خفاء وأكثر فاعلية في آن واحد.. فالصوت المتعالي لا يفرض نفسه بالقوة إنما يترك الأصوات الأخرى تتكلم حتى النهاية ثم يكشف للقارئ أن جميع تلك الأصوات كانت تدور بوعي أو دون وعي حول مركز واحد.. ومن هنا لا يعود السؤال الروائي- من يتكلم؟ بل يصبح- من الذي يمنح الكلام معناه الأخير؟
وبذلك يمكن اعتبار تقنية تعالي الصوت على تعدد الأصوات مرحلة متقدمة في تطور السرد الروائي؛ مرحلة تتجاوز الثنائية التقليدية بين الأحادية والبوليفونية لتؤسس شكلا روائيا أكثر تركيبا، حيث لا تُلغى الأصوات المتعددة ولكنها تُحتوى داخل رؤية تتسامى عليها كما تتسامى الفكرة على تجلياتها أو كما تتسامى الحقيقة على وجوهها المتعددة في الوعي الإنساني.
