بقلم خليفة عبد السلام –

تتسم الرواية الحديثة بقدرتها المستمرة على إعادة تعريف مفهوم الشخصية الروائية وتوسيع حدودها.. فبعد أن ظلت الشخصية ولقرون طويلة مرتبطة بالإنسان بوصفه محور الحكاية وفاعلها الأساسي، بدأت التجارب السردية الحديثة تتجه نحو استثمار عناصر ومفاهيم غير بشرية وإدماجها في النسيج الروائي بوصفها كيانات فاعلة ومؤثرة.. ومن هنا برزت تقنية “التشخيص” (Personification) باعتبارها واحدة من الأدوات الفنية التي أتاحت للروائيين تحويل المفاهيم المجردة والظواهر الطبيعية إلى شخصيات تمتلك حضوراً ودوراً داخل العمل الأدبي
في البلاغة التقليدية يُعرَف التشخيص بأنه إضفاء صفات إنسانية على الأشياء الجامدة أو المفاهيم المعنوية، غير أن الرواية الحديثة تجاوزت هذا التعريف البلاغي الضيق لتجعل من التشخيص أداة بنائية وسردية متكاملة.. فالمسألة تعدت حدود وصف الليل بأنه “حزين” أو الريح بأنها “غاضبة” وذهبت لأبعد من ذلك لتصبح الأعمال الأدبية تمنح هذه العناصر صوتا مستقلا ووعيا خاصا ووظيفة درامية تجعلها جزءاً من شبكة العلاقات والصراعات داخل النص
يرتبط هذا التحول بتطور الرؤية الروائية ذاتها.. فالرواية المعاصرة لم تعد منشغلة فقط بتسجيل الواقع أو محاكاة العالم الخارجي وإنما أصبحت تسعى إلى تمثيل الأفكار والقلق الوجودي والأسئلة الفلسفية التي يعيشها الإنسان، ولأن هذه القضايا غالبا ما تتجاوز حدود التجربة الفردية وجد العديد من الكُتاب في التشخيص وسيلة فعالة لتجسيدها وتحويلها إلى عناصر ملموسة داخل السرد
تقدم الرواية العالمية نماذج بارزة لهذا الاستخدام المتقدم للتشخيص. ففي رواية “كتاب اللصوص” لماركوس زوساك- يتولى الموت نفسه مهمة السرد.. وهنا لا يظهر الموت بوصفه رمزا أو فكرة مجردة، لكنه يتحول إلى راوٍ يمتلك لغة خاصة ورؤية وتأملات ومواقف تجاه البشر والحياة وقد أتاح هذا الخيار السردي للكاتب أن يعالج موضوعات الحرب والفقدان والإنسانية من زاوية غير مألوفة الأمر الذي منح الرواية بعدا فلسفيا وجماليا مميزا
وفي نموذج مختلف، نجد أن رواية “مئة عام من العزلة” لغابرييل غارسيا ماركيز- تمنح الزمن حضورا يتجاوز وظيفته التقليدية كإطار للأحداث. فالزمن في الرواية يبدو قوة فاعلة تعيد إنتاج المصائر وتفرض إيقاعها الخاص على الأجيال المتعاقبة وعلى الرغم من أنه لا يتجسد في صورة شخصية تتحدث بصورة مباشرة فإنه يؤدي دورا سرديا يجعل حضوره قريبا من حضور الشخصيات الرئيسية
أما في أدب الفانتازيا والأسطورة الحديثة فقد بلغ التشخيص مستويات أكثر وضوحا.. ففي أعمال نيل غيمان- على سبيل المثال تتحول الأفكار والمعتقدات والقوى المجردة إلى شخصيات حية تتفاعل وتتصارع وتتخذ قراراتها الخاصة ويكشف هذا التوجه عن قدرة الرواية على تجاوز حدود الواقع المحسوس نحو فضاءات رمزية وفلسفية أرحب
وتكمن القيمة الفنية للتشخيص في أنه يتيح للكاتب معالجة المفاهيم الكبرى عبر الدراما بدلا من الخطاب المباشر.. فعندما يصبح الحظ شخصية روائية يمكن استكشاف علاقة الإنسان بالمصادفة والعدالة والقدر.. وعندما يتحول الوقت إلى كائن واعٍ يصبح بالإمكان مساءلة الشيخوخة والفناء والذاكرة من خلال التفاعل السردي لا من خلال التأمل النظري المجرد وهكذا تتحول المفاهيم إلى أطراف في الصراع الروائي بما يمنح النص كثافة دلالية وثراء تأويليا
ومن الناحية الجمالية، يسهم التشخيص في تعزيز البعد الشعري للرواية وإثراء مخيلتها.. فالليل قد يصبح شاهدا على الأسرار الإنسانية والمدينة قد تتحول إلى كائن يتنفس ويغضب ويحتضن سكانه أو يلفظهم فيما تظهر الذاكرة بوصفها شخصية تحفظ ما يحاول الزمن محوه.. وبهذا المعنى لا يكتفي التشخيص بتزيين اللغة أو تجميل الصورة لكنه فعليا يشارك في بناء العالم الروائي نفسه
إن استحداث شخصيات غير تقليدية مثل الليل أو الزمن أو الحظ لا يمثل خروجا على قواعد الفن الروائي، بل يندرج ضمن إحدى أكثر التقنيات الأدبية قدرة على تجديد السرد وتوسيع إمكاناته التعبيرية.. فالرواية بوصفها عالما يستند على الأليات الفنية وقائما على الخيال وإعادة تشكيل الواقع فهو لا تلتزم بحدود الكائن البشري وحده، لكنها تستطيع أن تمنح الحياة لأي فكرة أو ظاهرة متى اقتضت الضرورة الفنية ذلك.. ومن هنا يظل التشخيص أداة مركزية في الرواية الحديثة تسمح للأدب بأن يحول المجرد إلى محسوس والفكرة إلى شخصية والرمز إلى كائن حي يتحرك بين صفحات النص.

بطاقة_______________________
يُعدّ التشخيص (Personification) من أقدم التقنيات الأدبية والبلاغية في تاريخ التعبير الإنساني،أسلوب فني نشأ في أحضان البلاغة الإغريقية القديمة في اليونان قبل أكثر من ألفي عام. وقد ارتبط منذ بداياته بميل الإنسان إلى إضفاء الصفات الإنسانية على الظواهر الطبيعية والمفاهيم المجردة، وهو ما تجلّى بوضوح في الأساطير اليونانية التي جسّدت الحب والحرب والعدالة والقدر في هيئة شخصيات وآلهة. وتعود جذوره النظرية إلى التراث البلاغي اليوناني والروماني، ولا سيما مفهوم “البروسوبوبيا” (Prosopopoeia)، الذي يعني منح الأشياء أو الأفكار أو الكيانات الغائبة صوتاً وشخصية وقدرة على الكلام والفعل. وقد تناول فلاسفة وخطباء كبار مثل أرسطو في القرن الرابع قبل الميلاد، ثم كوينتيليان في القرن الأول الميلادي، هذه الظاهرة ضمن دراساتهم للبلاغة والتخييل الأدبي. ومع تطور الأدب عبر العصور، انتقل التشخيص من كونه مجرد صورة بلاغية تُستخدم لتجميل اللغة إلى تقنية سردية متكاملة، خاصة في الرواية الحديثة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، حيث أصبح الكتّاب يوظفونه لبناء شخصيات غير تقليدية من مفاهيم مجردة مثل الزمن والموت والذاكرة والحظ والليل والقدر. وبهذا المعنى لم يعد التشخيص مجرد وصف مجازي، بل أداة فنية تسمح بتحويل الأفكار والقوى غير المرئية إلى شخصيات فاعلة داخل النص الروائي، تمتلك حضوراً درامياً وصوتاً خاصاً ودوراً مؤثراً في تطور الأحداث، الأمر الذي وسّع من آفاق السرد الأدبي ومنح الرواية قدرة أكبر على التعبير عن القضايا الفلسفية والوجودية والإنسانية العميقة.