بقلم زكريا نمر –

سؤال يبدو بسيطا لكنه يكشف في العمق عن مشكلة في بنية التفكير داخل المنظومة التعليمية. فهو لا يتعلق فقط بالمناهج او طرق التدريس، بل بالعلاقة بين المعرفة والسلطة، وبين ما يتم تدريسه وما يتم استبعاده، وبين الانسان كذات مفكرة والانسان كعنصر داخل نظام تعليمي منظم.عندما نتحدث عن تعليم الفلسفة فنحن غالبا نقصد تحويل الفلسفة الى مادة دراسية داخل المنهج. تصبح الفلسفة هنا تاريخا للافكار اكثر من كونها ممارسة للتفكير. يتم تقديمها في شكل اسماء وفلاسفة ونظريات يمكن حفظها واسترجاعها في الامتحان. بهذا الشكل تفقد الفلسفة جزءا كبيرا من وظيفتها الاساسية وهي طرح السؤال وفتح الاشكاليات.

هذا النوع من التعليم ينتج معرفة جاهزة اكثر مما ينتج تفكيرا. الطالب يتعامل مع الفلسفة كشيء يجب حفظه لا كاداة لفهم العالم او مساءلته. ومع الوقت تتحول الفلسفة الى مادة مثل باقي المواد، لها اجابات محددة واسئلة متوقعة ومعايير تقييم. نجد مفهوم فلسفة التعليم وهو مختلف تماما. هنا لا نتحدث عن مادة تدرس بل عن طريقة لفهم التعليم نفسه. يصبح السؤال عن لماذا ندرس وكيف ندرس ومن يحدد ما يتم تدريسه وما الهدف من العملية التعليمية.

فلسفة التعليم تعني ان التعليم ليس عملية محايدة. هو مرتبط بالمجتمع والسلطة والاقتصاد والثقافة. ما يتم تدريسه يعكس اختيارات معينة وما يتم تجاهله يعكس ايضا اختيارات اخرى. لذلك التعليم ليس فقط نقل معرفة بل هو ايضا تشكيل لنوع معين من الانسان.في كثير من الانظمة التعليمية يتم التركيز على الحفظ والانضباط والنتائج القابلة للقياس. هذا ينتج طالبا قادرا على الاجابة الصحيحة لكنه ليس بالضرورة قادرا على التفكير النقدي. هنا تظهر الفجوة بين التعليم كعملية تقنية والتعليم كعملية فكرية.فصل الفلسفة عن التعليم او تحويلها الى مادة محدودة يؤدي الى فقدان بعدها النقدي. وفي المقابل فصل التعليم عن الفلسفة يجعل النظام التعليمي اقرب الى التدريب منه الى التفكير. في الحالتين يتم تقليل مساحة السؤال لصالح الاجابة الجاهزة.

المدرسة في هذا السياق تعمل كجهاز منظم لا فقط لنقل المعرفة بل لاعادة انتاج نمط معين من التفكير. يتم تحديد ما هو صحيح وما هو خاطئ وما هو مقبول وما هو غير مقبول. ومع مرور الوقت يتعود المتعلم على حدود معينة للتفكير ولا يتجاوزها بسهولة.الفلسفة بطبيعتها تتعارض مع هذا النوع من التنظيم الصارم لانها تقوم على الشك واعادة النظر وتفكيك المسلمات. لذلك يتم غالبا تقديمها بشكل منضبط ومحدود حتى لا تتحول الى مصدر ازعاج داخل النظام التعليمي.المشكلة ليست في وجود الفلسفة داخل التعليم او خارجه بل في العلاقة بينهما. عندما تكون الفلسفة معزولة تصبح معرفة نظرية بلا تأثير. وعندما يكون التعليم منفصلا عن الفلسفة يصبح عملية تقنية لا تنتج فكرا.

الاشكال الحقيقي هو ان النظام التعليمي الحديث يميل الى التركيز على النتائج والمهارات القابلة للقياس اكثر من التركيز على بناء التفكير النقدي. هذا يجعل الفلسفة تبدو احيانا غير عملية بينما هي في الحقيقة تمس جوهر العملية التعليمية.اعادة التفكير في هذه العلاقة تعني ان التعليم يجب ان يتضمن بعدا فلسفيا داخله لا كاضافة خارجية. اي ان يكون هناك تركيز على السؤال قبل الاجابة وعلى الفهم قبل الحفظ وعلى النقد قبل التلقين. السؤال ليس هل ندرس الفلسفة ام ندرس فلسفة التعليم. السؤال الاهم هو نوع التعليم الذي نريده ونوع الانسان الذي ينتجه هذا التعليم. التعليم الذي لا يطرح اسئلة يتحول الى نظام تكرار. والتعليم الذي يفتح الاسئلة يخلق امكانية لفهم اعمق للعالم وللانسان نفسه.