بقلم أسامة عكاشة-
قالها معاويةبن أبي سفيان :-
” بُنِيَتِ الدّنيا على نِسْيَانِ الأحِبّة ”
بُنِيَتِ الدُّنيا — فيما يبدو لذوي الاعتبار — على سُنّةِ الذُّهولِ والتناسِي، لا على دوامِ الذِّكرِ والتلازم؛ إذ لو استقرَّتِ الأحزانُ في مواضعِها الأولى، ولم تَبْلَ مع الأيّامِ حِدَّتُها، لفسدتْ معايشُ الناس، ولما نهضَ مُبتلًى من عَثرته، ولا أفاقَ مُصابٌ من كَمده. ولكنَّ اللهَ — بحكمتِه — جعلَ للنسيانِ سَيْلًا يطمسُ آثارَ الوقائع، ويُعفّي رسومَ الذكريات، حتى تخفَّ وطأةُ الفواجعِ عن القلوب، فلا تبقى النفوسُ رهائنَ لماضٍ لا يعود.
وما أسرعَ ما يذبلُ ذِكرُ الأحبّةِ في الصدور، كأنّما كانت مودّتُهم طيفًا عبرَ ثم انجاب، أو برقًا تألّقَ في حنادسِ الليلِ ثم خبا. يُوارى الحبيبُ في التراب، وتضجُّ القلوبُ عليه أوّلَ العهدِ ضجيجَ الثكالى، ثم لا تلبثُ الأيّامُ أن تُرخِي على الذكرِ سُدولَها، فتفترَ اللوعة، ويخورَ النحيب، ويعودَ الناسُ إلى شؤونِهم كأنّ شيئًا لم يكن. لا قسوةً منهم، ولكنها سُنّةُ الحياةِ التي لا تستقيمُ إلا بهذا الانمحاء والدروس لآثارِ الفقد.
ولو أنّ الناسَ لم ينسَوا من فقدوا، لبقيتِ القلوبُ معلّقةً بالمقابر، ولتعطّلتْ معايشُ الخلق، ولما استطاعَ والدٌ أن يبتسمَ بعد ولد، ولا مُحبٌّ أن يأنسَ بعد خليل، ولا أمّةٌ أن تنهضَ بعد نازلة. فكان النسيانُ — على ما فيه من مرارة — رحمةً مُستكنّة، وعزاءً خفيًّا، به تندملُ الجراحُ وإن بقيتْ آثارُها، وتسكنُ الثوائرُ وإن لم تنطفئْ جمراتُها كلّها.
غير أنّ العجبَ ليس في النسيانِ نفسِه، بل في سرعةِ دبيبِه إلى النفوس؛ فما يكادُ الحزنُ يستحكم، ولا الشوقُ يستعر، حتى تأتي الأيّامُ فتسلبُهُ شيئًا فشيئًا من حدّتِه، كالسيلِ يأكلُ أطرافَ الأرضِ حتى يُسوّيها. فينسى المرءُ صوتًا كان يملأُ عليه أقطارَ قلبه، ووجهًا كان يراهُ في كلِّ شيء، وحديثًا كان يبيتُ على تردادِه، ثم لا يشعرُ إلا وقد غدا ذلك كلُّه كخبرٍ قديم، يلوحُ في أقاصي الذاكرةِ لوحًا خافتًا.
فلا تجزعْ إذا نُسيتَ؛ فإنّك داخلٌ في ناموسِ الخلقِ كلِّهم. ما خُلِّدَ ودٌّ في الدنيا على صفائه، ولا استقرَّ ذِكرُ بشرٍ في القلوبِ استقرارًا لا يعتريه وهن. فاليومَ يُبكى عليك، وغدًا يُترحَّمُ عليك، ثم تمضي القوافلُ، وتشتغلُ النفوسُ بما استجدَّ لها من أفراحٍ وأتراح. وتلك — لعمري — حقيقةُ الدنيا: لا تحفظُ أحدًا على حال، ولا تُقيمُ وُدًّا على عهد.
غير أنّ في هذا النسيانِ موعظةً لأولي الألباب؛ إذ يُعلِّمُهم ألّا يُفرِطوا في التعلّقِ بما هو زائل، ولا يغترّوا بدوامِ الذكرِ في أفواهِ الناس. فما يبقى للمرءِ حقًّا ليس صورتهُ في الذاكرات، بل ما خلّفهُ من أثرٍ في الأرواح، وما زرعهُ من خيرٍ في القلوب، وما رفعهُ عند اللهِ من عملٍ لا يأكلهُ النسيان، ولا تُعفّيهِ الأيّام.
