بقلم د. آمال بوحرب –
يطرح سؤال الوجود في الفكر الحديث كسؤال يحدّد طريقة عيش الإنسان لوجوده ذاته، وهذا السؤال يركز على كيف يعيش الإنسان وجوده أكثر من كونه يسأل عن ماهية الوجود. والقلق والعدم يُشكّلان محورَين أساسَين في فهم التشكّل السردي للذات وطريقة رسو الإنسان للمعنى في عالم يهدده بالفراغ باستمرار، والوجودية بمذاهبها المختلفة تستكشف العلاقة المتوترة بين القلق الصادر الذي يوقظ الإنسان والعدم المهاجم لوجوده والسرد المُحاوِل لتثبيت المعنى، وتسبق هذه الرؤية الفلسفية التحليل التفصيلي لكيفية تشكّل الوجود في وعي الإنسان.
ويكون الوجود من منظور الفلسفة الوجودية معطىً معقّد يتشكل في وعي الإنسان قبل أن يتجسد في العالم، والعيش يتمّ في العالم كما يُروى داخل الوعي، والذات في جوهرها كاتبٌ يعيد تأليف العالم وفق قلقه وأسئلته، والسؤال الفلسفي عن الوجود يصبح سؤالًا سرديًا كيف نحكي أنفسنا لكي نكون، فالإنسان يعيش الأشياء كما تُروى داخل وعيه، وهذه السردية الداخلية تسبق التجسد الخارجي وتُشكّل الطريقة التي يفسر بها الإنسان العالم، وهذا ما يقودنا إلى الإشكالية المركزية التي تدور حول بناء الوجود.
وتتمثّل الإشكالية المركزية هنا في هل يُبنى الوجود سرديًا من خلال القلق والفعل أم أن العدم سمة ملازمة للذات لا يمكن تأجيلها إلا مؤقتًا، والسؤال الأعمق هل المعنى كائنٌ مسبقًا في العالم أم أننا نحن من نخلقُه من خلال القلق والاختيار، والفلسفة الوجودية من كيركغورد إلى سارتر وهايدغر تُظهر أن الإنسان يعيش الأشياء كما تُروى داخل وعيه، والذات في جوهرها كاتبٌ يعيد تأليف العالم وفق قلقه وأسئلته، وهذا التصوير يُظهر أن المعنى ليس معطىً جاهزًا بل هو بناء يُعاد تشكيله باستمرار، وهذا البناء يبدأ من القلق.
ويكون القلق في الوجودية انفعال وجودي يعي فيه الإنسان كينونته الفردية وحريته المسؤولة، فهو انفعال وجودي يعي فيه الإنسان كينونته الفردية وحريته المسؤولة، وكيركغورد يقول يجب علينا أن نستبق مصيرنا عن طريق القلق فالقلق يأكل كل شيء في العالم المتناهي ويكشف الستر عن كل الأوهام ويستأصل ما فينا من أمور عادية، والقلق إذن شرط الوعي بالطبيعة الهشة للوجود، والقلق لا يُختزل إلى حالة نفسية بل يصبح ظاهرة وجودية تعي فيها الذات هشاشة وجودها، وهذه الهشاشة تدفع الإنسان إلى الفرار من العدم.
ويلتقي عبد الرحمن بدوي مع هذا الفهم في قراءته العربية للوجودية فيقول “لابد للإنسان أن يعيش في القلق ليتنبه إلى حقيقة الوجود” وذلك أن الإنسان بطبعه يميل إلى الفرار من وجه العدم الماثل في صميم الوجود وذلك بالسقوط بين الناس وفي الحياة اليومية الزائفة، أي أن القلق يُوقظ الإنسان من سباته في الوجود الزائف ويُسقطه أمام اختياره الجوهري أن يكون ذاتًا حقيقية أو يفر إلى الآخرين، أما الانتظار في الوجود الزائف فيعني العيش في الطمأنينة الصناعية حيث يختبئ الإنسان في الوجود الجماعي ويتخلى عن مسؤوليته عن اختياره، والقلق يُخرج الإنسان من هذا الخبء ويضعه أمام وحدته وأمام مسؤوليته عن وجوده، وهذا ما يفسّر توق الإنسان إلى النظام الكلي.
ويكون الإنسان كائنًا يتوق إلى نظام كلي ويعيش في عالم يمنحه شذرات متناثرة، وكل بناء فلسفي أو أدبي أو ثقافي يرمّم هذا التصدع الأصلي، وهذا التوق إلى النظام الكلي يفسّر كثرة الأنظمة الفلسفية وكثرة الروايات الكبرى وكثرة الأيديولوجيات، والإنسان يبحث عن نظام كلي يمنح المعنى لكل شيء لكن العالم لا يمنحه إلا شذرات متناثرة، وهنا يظهر دور العدم كقوة فاعلة، وهايدغر يرى أن الشر هو غياب الخير أو عدم وجود الخير والليل هو غياب النهار أو عدم وجوده والعدم يتضمن كل أشكال النفي والاستلاب وحتى مشاعر اليأس والقلق والإحباط هي أشكال من العدم، والعدم هنا ليس مجرد غياب بل قوة فاعلة قوة تُشكّل وجود الإنسان، وسارتر يُضيف بعدًا آخر لهذا الفهم.
ويُضيف سارتر بعدًا آخر للعملية الفكرية فالإنسان هو الذي يأتي بالعدم إلى هذا العالم من خلال نفي الواقع وإعدامه ومن خلال قصدية الشعور يتجه الوعي نحو الشيء المقصود أما بقية الأشياء فتتلاشى وتسقط جميعها في العدم وبها الإنسان يواجه العدم من خلال وعيه النافي وصوره الخيالية وحرية الاختيار، وهذا التصوير يُظهر أن العدم ليس خارجيًا بل هو جزء من كينونة الإنسان نفسها، والإنسان يخلق العدم من خلال وعيه النافي ومن خلال قدرته على قول لا للواقع ومن خلال قدرته على تصوّر أشياء غير الموجودة، والقلق بهذه الصورة هو دوار الحرية الذي يصفه كيركغورد، وحرية الاختيار تؤلم الإنسان لأن كل اختيار يعني التخلي عن اختيارات أخرى ويعني تحمل مسؤولية ما يُختار، وهذه الحرية تتطلب لغة وسردًا.
وتصبح اللغة في بعدها الوجودي أداة تواصل وعمل مقاومة ضد العدم، وحين يسمي الإنسان الأشياء يسمّيها ويمنحها حق البقاء في عالم المعنى، والتسمية فعل خالق يمنح الشيء وجودًا في عالم المعنى قبل وجوده المادي، ومارسيل يقول الكينونة قبل أي شيء آخر هي ما لا يمكن تحويله إنها ما لا يمكن لنا أن نصل إليه وما ينبغي لنا أن نبدأ منه بالضرورة، واللغة والسرد محاولة لتثبيت ما لا يمكن تثبيته وتمتين ما هو هشّ بطبيعته، وكل حكاية مهما بلغت من الاتساق تحمل في داخلها شقوقها ولحظات الصمت التي يتسلل منها العبث، والسرد في جوهره محاولة لتأجيل العدم لكن العدم يظل دائمًا في الخلفية يهدد بانحلال الحكاية، وهذا ما يجعل المواقف الحدية محورية في فهم الوجود.
ويرى كارل ياسبرز أن كل إنسان يكون معرضًا للألم والمرض والفقدان وغيرها من الأزمات والكوارث لكن هناك مواقف حاسمة ونهائية في الوجود الإنساني تعبر عن نفسها في صدمة الوعي أو الهزة التي تصيب الفكر وهذه الصدمة تحررنا من كل قيد وارتباط خارجي ليصبح الوجود حرية لامتناهية، والمواقف الحدية كالموت والمعاناة والذنب والصراع هي اللحظات التي تُهدم فيها الأطر الزائفة ويظهر الوجود في عريه، وهذه الصدمة تجعل القراءة الأدبية والفلسفية فعلًا وجوديًا لأنها تعيد إنتاج الأسئلة التي حاول النص أن يحتويها دون أن يحسمها، والمواقف الحدية تُخرج الإنسان من السبات وتُجبره على مواجهة وجوده في عريه دون أوهام ودون طمأنينة صناعية، وهذا ما يكشف وهم الامتلاء.
ويكون أخطر ما يواجه الإنسان وهم الامتلاء حين يعتقد أنه بلغ المعنى النهائي يتوقف عن السؤال ويتوقف عن الوجود بوصفه حركة، وهذا الوهم يؤدي إلى الجمود ويؤدي إلى التوقف عن الوجود بوصفه مشروعًا، وأنس شكشك يقول الذات محصورة في الآن بين القبل والبعد بين الماضي والمستقبل بين يوم الولادة ويوم الموت بين اللاوجود والوجود واللاوجود النهائي، والحياة في بعدها الأعمق ما نجرؤ على طرحه من أسئلة أكثر مما نملكه من إجابات، والقلق رغم وطأته دليل على أن الذات لم تستسلم بعد لطمأنينة زائفة، والقلق يُبقي الإنسان في حركة وفي سؤال دائم وفي مشروع دائم، وهذا ما يجعل الوجود أفقًا يُعاد تشكيله باستمرار.
ويكون الوجود من منظور الوجودية أفقًا يُعاد تشكيله باستمرار والإنسان يعيد كتابة العالم كل يوم بين ما يخشاه من العدم وما يحلم به من معنى، والقلق شرط إدراك أصالة الوجود والعدم ثغرة تُبقي الإنسان في حالة حركة وفي سؤال دائم، والسرد بمختلف أشكاله تأليف للقصص ومحاولة وجودية أن تحكي نفسك لكي تكون، والسرد في جوهره محاولة لتأجيل العدم لكنّه في الوقت نفسه يكشف هشاشة الوجود وهذا ما يولد الحكاية.
وفي هذه المسافة المعلقة بين الخوف والرغبة وبين القلق والعدم وبين العدم والمعنى تتولد الحكاية والحكاية رغم هشاشتها تمنح الإنسان سببًا مؤقتًا للاستمرار، وهذا السبب المؤقت يكفي لأنه يسمح للإنسان بالمواصلة وبالمشاركة في العالم وبالمسؤولية عن وجوده، وهذا ما يكشف أن التعمق في هذه الإشكالية يُظهر حقيقة أعمق.
ويتجلّى التعمق في هذه الإشكالية في أن الإنسان كائن يتوق إلى المعنى والمعنى يُبنى، وهذا البناء يتمّ من خلال القلق ومن خلال الفعل ومن خلال السرد، والقلق يُبقي الإنسان في حالة يقظة والفعل يُحقّق الوجود والسرد يمنح المعنى، وهذا التراكم يُشكّل الهوية ويُشكّل الذات ويُشكّل الإنسان، والإنسان في جوهره مشروع سؤال.
ويكون الإنسان في جوهره مشروع سؤال وكل جواب يجلب أسئلة جديدة وكل معنى يُبنى يكشف عن معانٍ أخرى يجب بناؤها، وهذه الحركة الدائمة هي الوجود ذاته، والوجود ليس حالة ثابتة ولكنه حركة دائمة وسؤال دائم ومشروع دائم، وهذا ما يؤدي إلى الخلاصة النهائية.
ويجوز القول إذن بأن القلق والعدم شرطان لأصالة الوجود، فالقلق يُبقي الإنسان في يقظة، أمّا العدم则在ُبقي الإنسان في حركة، وأمّا السرد بمختلف أشكاله فهو محاولة لتأجيل العدم غير أنّه في الوقت نفسه يكشف هشاشة الوجود، والوجود الهش هو الوجود الحقيقي الذي يعي هشاشته ويعي مسؤوليته عن بناء معناه، وبمعنى أن الإنسان في جوهره كائن يخلق المعنى من خلال القلق ومن خلال الفعل ومن خلال السرد، وهذا المعنى مؤقت لكنه يسمح بالمواصلة ليربط الإنسان بالآخرين وبالإنسانية جمعاء، وفي هذه المسافة المعلقة بين الخوف والرغبة وبين القلق والعدم وبين العدم والمعنى يتولد الإنسان بذاته من جديد.
