بقلم د- هند محسن حلمي –

بدايةً مِن ليست كل القصائد تُقرأ، فبعضها يُعاش.

ثمة نصوص تمر بنا كما تمر الريح على نافذةٍ مفتوحة، تمنحنا لحظة تأمل ثم تمضي، وثمة نصوص أخرى تشبه الزلازل الصامتة؛ لا تُحدث ضجيجًا في اللغة بقدر ما تُحدثه في الداخل. وحين نقرأ قصيدة «عن الحب في الهاوية» للشاعر يونس أبو سبع التي يقول فيها:

هي وردةٌ أخرى لأيامٍ أُخَرْ
في الحُبِّ لا مأوَى له أو مُستقَرْ

ليسَت “بروفا” هكذا قالت لهُ امرأةٌ
عدَتْ بالذكرياتِ على الأثَرْ

وقفَتْ على إحساسِها سخريَّةً من بأسِها
تهذي وتهمسُ: لا مَفَرْ

تلك التي ذبُلَتْ تُعادُ بغَيرِها
ما دامَ في التَّرحالِ ثمَّةَ مُختبَرْ

هيَ ما تقولُ؛
لأنها لم تقترفْ أثرًا لقافيةٍ..
أماءَت فاندثَرْ

هو كُلُّ مُوقَدةٍ، وأفئدةٌ
رأت في الحُبِّ ما لم يُبقِ منها أو يذَرْ

ذابَتْ وذابَ.. كغَيمتَينِ انهارَتا
دونَ ارتطامٍ أو عناقٍ أو مطَرْ

هي تَحذَرُ الآفاقَ، بل تَخشَى الصدَى
وهُوَ ابنُ ما قالَت، فما عرفَ الخطَرْ

حُرٌّ، ومُندفعٌ، وأهوَجُ كالهواءِ،
مُثابرٌ ومُكابرٌ.. لم يَعتَبِرْ

يجتاحُ ليلَ ديارِها ويصوغُ حكمتَها
بنهرٍ أو بوجهٍ من حَجَرْ

هُوَ منكرٌ للموتِ فيها سالفًا
مُستطلعٌ دُنياهُ من وادي سَقَرْ

يَمضي على أملِ النجاةِ بصَدرِها
حتى إذا طعنَتهُ أصفحَ واعتذَرْ

حضنًا تذكَّرَها وقبرًا،
لا انتباهَ له؛ أيُوغلُ صدرُهُ أم يُحتَضَرْ

من أي هاويةٍ يخافُ المرءُ
ما دامت هُويَّتُهُ بهذا المُنحدَرْ!

يَبقَى الحنينُ إلى السماءِ،
لوردةٍ أخرى ستَعرَى حين يَنشقُّ القمرْ

تَبقَى الحياةُ بقلبِ شاعرِها
ويَبقَى للهوى سِحرٌ ونَحسٌ مُستَمِرْ

ما خلفَ هذا البابِ إلا وحدةٌ
ستُطِلُّ من عينَينِ عُمرُهُمَا السهَرْ

شاخَت مُخيِّلةُ الفتَى
وانسلَّ من زمَنٍ كثيفٍ يعتيريهِ بلا كبَرْ

يا حُبُّ شُدَّ يمينَهِ بشِمالِهِ
أنصِتْ لنبضِ الغابِ.. دغدغةِ الوترْ

هي وردةٌ أخرى لأيامٍ أُخَرْ
فامنحهُ إياها .. ليحملها القَدَرْ!

مِن هنا ندرك أننا أمام هذا النوع النادر من الشعر؛ الشعر الذي لا يكتفي بأن يصف التجربة الإنسانية، بل يعيد خلقها داخل القارئ.

فمنذ اللحظة الأولى لا يدخل الشاعر إلى الحب من بابه التقليدي بوصفه وعدًا بالسعادة أو اكتمالًا للذات، وإنما يقدمه بوصفه تجربة وجودية تقع عند الحافة الفاصلة بين الخلاص والفناء.. ولذلك فإن عنوان القصيدة نفسه ليس مجرد إطار دلالي، بل مفتاحها التأويلي الأعمق؛ فالهاوية هنا ليست مكانًا يسقط فيه العاشق، وإنما الحالة التي يولد منها الحب ذاته.
ولهذا تبدو القصيدة أقرب إلى ما وصفه الفيلسوف الألماني (مارتن هايدغر) حين رأى أن الإنسان لا يكتشف حقيقة وجوده إلا عندما يقف على تخوم العدم، حيث تتساقط الأقنعة وتظهر الذات عارية أمام أسئلتها الكبرى.
يفتتح (يونس أبو سبع) نصه بالوردة:
«هي وردةٌ أخرى لأيامٍ أُخَرْ في الحبِّ لا مأوى له أو مستقر»
لكن الوردة هنا لا تؤدي وظيفتها الرمزية المعتادة في الشعر العربي؛ فهي ليست جمالًا عابرًا ولا حبيبة متجسدة في صورة نباتية، وإنما تمثل فكرة الأمل نفسه.. ذلك الأمل الذي يولد بعد كل خسارة ويعود بعد كل انكسار.
ولعلنا نتذكر هنا عبارة الشاعر الإسباني (بابلو نيرودا):
“You can cut all the flowers, but you cannot keep spring from coming.”
فكل وردة تموت في القصيدة تُستبدل بأخرى، وكل حلم ينهار يترك خلفه إمكانية حلم جديد.. وكأن الشاعر يعلن أن الإنسان لا يُعرَّف بما فقده، بل بما لا يزال قادرًا على انتظاره.

غير أن النص لا يلبث أن يكشف مأزقه الحقيقي من خلال صورة المرأة التي تقف ساخرة من إحساسها:
«وقفت على إحساسها سخريةً من بأسها تهذي وتهمس: لا مفر»
إنها شخصية تمتلك وعيًا مأساويًا نادرًا؛ فهي لا تنكر الحب، لكنها تعرف نهايته مسبقًا. ولذلك لا تبدو امرأة عاشقة بقدر ما تبدو حكيمة تراجيدية تدرك أن الطريق الذي تسلكه ينتهي إلى الجرح ذاته.
وهنا تتجلى إحدى أهم سمات القصيدة؛ إذ لا يضع الشاعر الحب في مواجهة الألم، بل يجعلهما وجهين لحقيقة واحدة. وكأننا أمام الصيغة الشعرية لما قاله (سيغموند فرويد) عن التداخل الغامض بين غريزة الحياة وغريزة الفناء.
ويتجسد ذلك بصورة مذهلة في قوله:
«ذابت وذاب.. كغيمتين انهارتا دون ارتطامٍ أو عناقٍ أو مطر»
إنها واحدة من أكثر الصور الشعرية فرادة في النص..
فالغيمتان تذوبان، لكنهما لا تمطران..
تقتربان، لكنهما لا تتعانقان..
تفنيان نفسيهما، لكن دون أن تنتجا أثرًا.
وهنا تتحول العلاقة الإنسانية إلى استعارة كونية للفشل الجميل؛ ذلك الفشل الذي لا يفقد قيمته لأنه لم يكتمل، بل يكتسب جماله من استحالة اكتماله.
غير أن الذروة الفكرية الحقيقية للقصيدة تتجسد في البيت الذي يمكن اعتباره مركزها الفلسفي كله:
«من أي هاويةٍ يخافُ المرءُ ما دامت هُويَّتُهُ بهذا المُنحدَرْ»
في هذا الموضع يغادر النص حدود التجربة العاطفية ليدخل منطقة الأسئلة الوجودية الكبرى.
فالهاوية لم تعد خطرًا خارجيًا.. بل أصبحت تعريفًا للذات.
ولم يعد الإنسان يخشى السقوط..
بل يخشى أن يكتشف أنه يسقط منذ زمن طويل.

إن يونس أبو سبع يعيد هنا صياغة مفهوم الهوية ذاته.. فالهوية التي اعتادت الفلسفة النظر إليها بوصفها جوهرًا ثابتًا تتحول في القصيدة إلى حركة مستمرة من التآكل والتغير والانحدار.
ولعل هذه الرؤية تلتقي بشكل مدهش مع ما كتبه (جان بول سارتر) حين رأى أن الإنسان مشروع مفتوح لا حقيقة مكتملة، وأن وجوده سلسلة متواصلة من التحولات لا جوهرًا نهائيًا مستقرًا.
لكن ما يمنح النص فرادته أنه لا يستسلم للعدم..
فكلما اقترب من حافة الظلام أضاء شمعة من الحنين:
«يبقى الحنينُ إلى السماءِ لوردةٍ أخرى ستعرى حين ينشق القمر»
وهنا يبلغ الشعر ذروة إدهاشه.
فالحنين في الأدب غالبًا ما يكون استعادة للماضي، غير أن يونس أبو سبع يقلب المعادلة كلها.
إنه لا يحن إلى ما كان..
بل إلى ما يمكن أن يكون..
إنه حنين إلى المستقبل..
اشتياق إلى احتمال..
ولهذا يبدو أكثر قسوة وأشد جمالًا في الوقت نفسه.
إنه ما يسميه الفيلسوف الألماني (إرنست بلوخ) «مبدأ الأمل»، حيث يعيش الإنسان مدفوعًا بما لم يتحقق بعد أكثر مما يعيش بما تحقق فعلًا.

لذا من أبدع لحظات القصيدة كذلك قوله:
«شاخت مخيلة الفتى وانسل من زمن كثيف يعتريه بلا كبر»
فالشيخوخة هنا لا تصيب الجسد بل الخيال..
وهذا انقلاب جمالي بالغ العمق.
إذ إن العمر الحقيقي للإنسان ليس ما مر من سنوات، بل ما بقي لديه من قدرة على الدهشة.
ولهذا فإن البيت لا يرثي الزمن، بل يرثي انطفاء القدرة على الحلم.
وهو معنى يقترب كثيرًا مما كتبه (غاستون باشلار) في «جماليات المكان» حين ربط بقاء الإنسان ببقاء طاقته التخيلية وقدرته على إعادة اختراع العالم.
ثم تأتي الاستغاثة الأخيرة:
«يا حب شد يمينه بشماله»
وليس الحب هنا شخصًا..
ولا امرأة..
ولا حتى ذكرى..
إنه القوة الوحيدة القادرة على جمع الأجزاء المتناثرة من الذات.
فالشاعر لا يطلب حبيبًا..
بل يطلب وحدة داخلية..
يطلب مصالحة بين ما كانه وما صار إليه..
بين الطفل الذي حلم والإنسان الذي تعب..
وعندما نصل إلى الخاتمة:
«هي وردة أخرى لأيام أخر فامنحه إياها ليحملها القدر»
ندرك أن القصيدة لم تكن تتحدث عن الحب وحده..
بل عن الإنسان نفسه.
عن ذلك الكائن الذي يعرف هشاشته جيدًا، ويعرف أن الخسارة جزء من مصيره، ومع ذلك يواصل السير حاملًا وردته الصغيرة في مواجهة العالم.
وهنا تكمن عظمة النص..
فهو لا يحتفي بالنجاة..
بل يحتفي بمحاولة النجاة..
ولا يمجد الوصول..
بل يمجد القدرة على الاستمرار.

إن يونس أبو سبع لا يكتب في هذه القصيدة قصة حب، بل يكتب سيرة روح فقدت يقين الأرض فصارت تبحث عن وطنها في الحنين، وعن خلاصها في الشعر، وعن معناها في وردة مؤجلة.

ولهذا فإن أجمل ما تقوله القصيدة ليس الحزن، بل الكرامة الخفية للحزن؛ تلك القدرة النادرة على أن يواصل الإنسان الغناء وهو يعرف أن الهاوية أقرب من النجاة.

وكأن الشاعر يهمس لنا في نهاية النص:
ليس الانتصار أن تصل إلى الضفة الأخرى، بل أن تحافظ على وردتك حيّة وأنت تعبر العاصفة.