بقلم وليد رحال –

إخراج: شوقي بوزيد – سينوغرافيا: حمزة جاب الله – موسيقى: عادل لعمامرة- نص : أكرم عتمة
المساعدة في العملية الإخراجية: فاطمة الزهراء عطوي

إنتاج: المسرح الجهوي كاتب ياسين تيزي وزو

ينتمي عرض “لوحة دم” إلى ما يمكن تسميته بمسرح الصورة أو المسرح البصري، حيث تتراجع الحكاية الخطية لصالح بناء فرجوي يعتمد على تكثيف العلامات السيميائية وتوليد المعنى عبر تفاعل الصورة والصوت والحركة واللون. ومنذ اللحظة الأولى، يضع العرض المتلقي أمام فسيفساء بصرية وسمعية متشابكة، تتجاوز حدود الحكاية المباشرة لتفتح المجال أمام قراءة رمزية تتقاطع فيها أسئلة الأرض والهوية والذاكرة والاستعمار والعنف.
لا يتعامل المخرج شوقي بوزيد مع الحدث بوصفه سلسلة وقائع متتابعة، بل يعيد تشكيله في هيئة لوحات مشهدية متجاورة، تتجاور فيها الأزمنة والأمكنة دون حدود فاصلة واضحة. وهنا تتجلى نزعة سينماتوغرافية واضحة في بناء العرض؛ فالإخراج اعتمد على الانتقالات السلسة بين المشاهد، وعلى تقنية القطع البصري والربط الإيقاعي بين اللوحات، إلى درجة أن المتلقي لا يكاد يشعر بحدوث الانتقال الزماني أو المكاني، وهو ما منح العرض انسيابية جمالية حافظت على تماسكه الداخلي.
وقد تجسد الفضاء الركحي في مستويين بصريين متكاملين، الأمر الذي أتاح توزيعا دلاليا للحركة والحدث، فبدا الركح وكأنه فضاء متعدد الطبقات، تتجاور فيه الوقائع الواقعية مع مستويات رمزية أعمق. هذا التقسيم لم يكن مجرد خيار جمالي، بل ساهم في بناء شبكة من العلاقات الدلالية التي جعلت العرض أكثر كثافة وغنى.
أما السينوغرافيا التي صاغها المبدع حمزة جاب الله فقد أكدت مرة أخرى قدرة هذا الفنان على تحويل الفضاء المسرحي إلى منتج للمعنى لا مجرد إطار للعرض. فقد اعتمدت على تكثيف واضح في العناصر الركحية، غير أن هذا التكثيف والإزدحام لم يؤد إلى الفقر البصري، بل إلى تكثيف الدلالة. كل عنصر على الخشبة بدا وكأنه يؤدي وظيفة رمزية محددة داخل النسق العام للعرض .
غير أن هذا الاختيار الجمالي اصطدم أحيانا بسيطرة اللون الأحمر على المشهدية العامة…..صحيح أن الأحمر يحيل إلى الدم والشهادة والفداء والمقاومة، ومن جهة إلى القتل والسفك والرعب إلا أن حضوره المكثف في بعض اللوحات خلق نوعا من التشويش البصري، وأفقد الرمز شيئا من قوته الناتجة عن الندرة….. فالرمز يزداد تأثيرا كلما أحسن توظيفه ضمن اقتصاد بصري محسوب، بينما قد يؤدي الإفراط في تكراره إلى إضعاف أثره الجمالي رغم حفاظه على دلالته الأساسية.
وعلى مستوى الأزياء، حافظت التصاميم على انسجامها مع الرؤية العامة للعرض، لكنها أسهمت أحيانا في خلق ازدحام لوني وبصري داخل بعض المشاهد، خاصة عندما تضافرت مع كثافة الإضاءة وسيادة اللون الأحمر، مما جعل بعض التفاصيل الدلالية تفقد وضوحها داخل الكتلة المشهدية.
من أبرز نقاط القوة في العرض الموسيقى التي أبدعها عادل لعمامرة، إذ لم تؤد وظيفة مرافقة للحدث فحسب، بل تحولت إلى عنصر سيميائي فاعل في إنتاج المعنى. لقد اشتغلت الموسيقى بوصفها لغة موازية للصورة، فكانت تارة تعمق الإحساس بالمأساة، وتارة ترفع منسوب التوتر الدرامي، وتارة أخرى تستحضر الذاكرة الجماعية المرتبطة بالأرض والاقتلاع والاغتراب. وقد انسجمت البنية الموسيقية مع سيرورة السينوغرافيا بشكل لافت، حيث بدا الإيقاع السمعي متماهيا مع الإيقاع البصري، في علاقة تكاملية أنتجت وحدة جمالية متماسكة.
وتتجلى إحدى أهم القضايا التي يطرحها العرض في كشفه للكيفية التي تعرضت بها فلسطين للاستعمار والاغتصاب التاريخي. فالآخر الغازي لا يدخل بوصفه محتلا مباشرا فقط، بل يتسلل أحيانا عبر شعارات إنسانية أو ثقافية أو فنية تخفي خلفها مشاريع الهيمنة والسيطرة. ومن خلال هذا الطرح، تتحول الأرض إلى معادل رمزي للأم، بينما يصبح الشعب الفلسطيني امتدادا عضويا لهذه الأرض التي تتعرض باستمرار لمحاولات الاقتلاع والتشويه.
وفي هذا السياق تبرز شخصية الرسام بوصفها إحدى أكثر الشخصيات إثارة للقلق؛ إذ ينتقل تدريجيا من موقع الفنان المنتج للجمال إلى موقع القاتل الذي يمارس العنف بلا رحمة. وهنا يطرح العرض سؤالا عميقا حول العلاقة بين الفن والسلطة، وبين الصورة والجريمة، وكيف يمكن للجمال أن يتحول إلى أداة لتبرير العنف أو التستر عليه.
كما استفاد العرض من بعض تقنيات التغريب البريختي حين لجأ إلى توظيف الشاشة والإسقاطات البصرية حيث انكسرت لحظات الإيهام المسرحي لصالح وعي نقدي يدفع المتفرج إلى التفكير بدل الانغماس العاطفي الكامل في الحدث. غير أن العرض لم يستقر داخل التغريب وحده، بل عاد في لحظات أخرى إلى الإيهام بالواقع، مما خلق تداخلا بين المرجعيات الجمالية الحديثة وما بعد الحداثية.
ومن أكثر المشاهد قوة وتأثيرا مشهد المائدة الذي تظهر فيه الأخت الصغرى في هيئة جثة وسط طقس عائلي مشحون بالرعب والاختناق النفسي. في هذه اللحظة يقترب العرض من تصورات أنطونان أرطو ومسرح القسوة، حيث لا يصبح الهدف نقل الحكاية، بل صدمة المتلقي وإرباك حواسه ودفعه إلى مواجهة العنف الكامن في الواقع. فالمشهد لم يعتمد على الحوار بقدر اعتماده على الصورة والجو النفسي والإيقاع الحركي، وهو ما جعله من أكثر لحظات العرض كثافة وقوة.
أما على مستوى الأداء التمثيلي، فقد بدت مستويات الممثلين متفاوتة. فبعضهم نجح في استبطان الشخصية وتجسيد أبعادها النفسية والرمزية، بينما ظهر لدى بعض الآخرين نوع من الإلقاء الخارجي للنص دون امتلاك حقيقي لحمولته الشعورية والدلالية، الأمر الذي أثر على قوة بعض المشاهد وخلق تفاوتا في المستوى الأدائي العام.
ومن منظور سيميولوجي، حمل العرض عددا من العلامات المركزية؛ فالدم مثل علامة على الفداء والعنف والذاكرة، والأرض جسدت الأم والهوية والانتماء، بينما تحولت المائدة إلى رمز للتفكك الأسري والخراب الإنساني، كما لعب الضوء دورا في التعبير عن الانتقال بين حالات الأمل واليأس، في حين شكلت الموسيقى بنية دلالية موازية للصورة، وساهمت في بناء المعنى لا في تزيينه.
ورغم ما حققه العرض من نجاح بصري وجمالي واضح، فإن البناء الدرامي لم يبلغ ذروته بالصورة التي كان ينتظرها المتلقي. فقد ظلت بعض الخيوط السردية معلقة، ولم تصل لحظة الانفجار الدرامي إلى المستوى الذي هيأت له العلامات السابقة، وهو ما جعل النهاية أقل تأثيرا مقارنة بالثراء البصري والسمعي الذي سبقها.
وفي الأخير
يعد عرض “لوحة دم” تجربة مسرحية جادة تنتمي إلى المسرح البصري المعاصر، نجحت في بناء عالم فرجوي قائم على التفاعل الخلاق بين الإخراج والسينوغرافيا والموسيقى والأداء. وقد استطاع شوقي بوزيد، مدعوما برؤية سينوغرافية متميزة لحمزة جاب الله وموسيقى دالة لعادل لعمامرة، أن يقدم عملا تتشابك داخله العلامات في فسيفساء جمالية كثيفة تستفز الفكر والوجدان معا.
ورغم بعض المآخذ المتعلقة بالإفراط في توظيف اللون الأحمر، وتفاوت الأداء التمثيلي، وعدم بلوغ الحبكة ذروتها الدرامية المرجوة، فإن العرض يظل تجربة فنية ذات قيمة جمالية وفكرية عالية، تؤكد قدرة المسرح على مساءلة التاريخ والواقع، وتحويل الألم الإنساني إلى صورة فنية نابضة بالحياة والدلالة

مع خالص الشكر والتقدير إلى فريق العمل كافة، وإلى المبدع المخرج شوقي بوزيد، والسينوغراف د. حمزة جاب الله، على هذا الإنجاز الفني الذي منح الجمهور لوحة مسرحية متكاملة تنبض بالجمال والفكر والوعي.