بقلم أ-د لونيس بن علي –

أتلقى الكثير من الرسائل من شباب يطلبون مني باحترام جم، وبإلحاح خجول، أن أطّلع على أعمالهم الأدبية الأولى، ولما لا ـوهذا حقهم الطبيعي ـ أن أكتب عن تلك النصوص، لأنّهم يُدركون جيدا أنّ وظيفة الناقد الأدبي هي جزء من الدورة الأدبية. لكن، يعلم الجميع أني لا أستطيع بمفردي أن أقرأ أو أكتب عن جميع الأعمال التي ترسل إلي أوتلك التي أقتنيها دفعة واحدة، وهي كثيرة، إذ يحدث أن أقرأ عملا أو عملين بدافع من الفضول أوالرغبة في الاستكشاف، وأعلم حجم الخيبة التي يصاب بها البعض عندما ينتظرون لأسابيع أو حتى لسنوات دون جدوى.

أتخيل أن بعضهم قد أخذ عني صورة سلبية، لأني أهملتُ رواياتهم، وقد يتهمونني بالإهمال أو بعدم الجدية، وبالاهتمام بالأعمال المكرسة أو المُترجمة. ما أتمناه حقيقة هو أن يتسع صدرهم، ويفهموا أني إذا لم أقرأ أعمالهم فقد أقترحها على زميل لي أو على طالب، وبعض الأعمال فعلا كتب عنها طلبتي مذكرات، فليس كل ما لا يُقال في صفحات التواصل الاجتماعي يعني أنه غير موجود.

طبعا، لا ألوم هؤلاء الكتاب الشباب، فمن حقهم أن يتبوؤوا لأنفسهم مقاما في الساحة الأدبية، وهي ساحة رحبة تتسع للجميع، كتّابا وأشباه كتّاب، وهذا حقهم الطبيعي كما نوّهت سالفاً، وقد أعجبني وصف (هاروكي موراكامي) لعالم الرواية بأنّه أشبه بحلبة مصارعة “تُرحب بأيّ شخص يرغب في التجربة. الفراغات بين الحبال تكفي للمرور، وثمة سلّم أيضا يسهّل الدخول. الحلبة واسعة، ولا يوجد حرس يقفون في طريقك، أو حكم يطردك”.

في المقام الأول يجب الاعتراف أن هناك جيل أدبي قيد التشكل يضم عددا لابأس به من الشباب الطموح لخوض تجربة الكتابة في فن الرواية، بعضهم أبانوا عن مواهب لابد من الانتباه إليها، تحفر بهدوء ورصانة طريقها في المشهد الأدبي (ليلى بابا أحمد، عبد الباسط باني، هشام بوشامة، رفيق جلول، أميرة حسيني، ماسينيسا تلباني، مليكة رافع…إلخ) لكنه جيل تشعر إزاءه بأنه يقاوم التهميش، في ظل سطوة الأسماء العتيدة على المشهد، إعلاميا ومؤسساتيا، وكذلك في ظل غياب حركية نقدية مواكِبة لهذا التزايد المطرد للتجارب الإبداعية الجديدة.

ومن حسن حظ هؤلاء الشباب أنهم وجدوا في مواقع التواصل الاجتماعي مساحة بديلة للحضور والانتشار، والتعريف بكتاباتهم (شخصيا لولا الفايسبوك لما سمعتُ بأحد منهم)، على الرغم من الجوانب السلبية لهذه الوسائط؛ فشعبية الكاتب الشاب قد تتشكل أحيانا بعيدا عن المقروئية الحقيقية، مما قد يضعه أمام تصور غير سليم لحضوره الأدبي؛ فالشعبية والمقروئية قد تقعان على طرفي نقيض.

إذا عدنا إلى مسألة المقروئية، فالحكم على أعمالهم الروائية يحتاج إلى نشاط نقدي مواز، يضعها تحت مجهر النقاد لا ناقد واحد بمفرده. أما على صعيدي الشخصي، ودون السقوط في التعميمات المخلة بوظيفة النقد، فما قرأناه من تلك الروايات كان متفاوتا من حيث القيمة الجمالية ومن حيث النضج الفني؛ روايات أُعجبنا بها، وأخرى لم نستطع حتى إكمال صفحاتها الأولى بسبب ضعفها الفني وكثرة الأخطاء فيها.

أريد هنا أن أشير إلى ما يُنشر من حين إلى آخر من مراجعات مشكوك في نواياها النقدية، عمد أصحابها إلى تقديم بعض الروائيين وبعض الروائيات كما لو أنهم ينافسون نجيب محفوظ أو إرنست همنغواي، فساهموا – ليسامحهم الله – في ايهامهم أنهم قد بلغوا سدرة الإبداع الروائي. وليس بالغريب أن نقرأ رأيا لأحد المغررين بهم يتكلمون في شؤون الرواية بثقة العارف وهم لا يفرقون بين السارد والمؤلف، ولا يعرفون من الكتّاب سوى المنفلوطي.

ثم هناك جهل عند أغلبهم بأن الكتابة في الأدب لا تتوقف عند التعبير الانطباعي عن المشاعر أو سرد الحكايات في شكل خواطر، بل هناك مسار طويل من التكوين الصارم، ومن القراءات المكثفة في حقل الأدب والنقد والتاريخ والفلسفة والسياسة…إلخ إذ لا تشكل الموهبة إلا الجزء الطافي من جبل الجليد. لهذا سأختلف مع موراكامي عندما قال ((قد يتيسر لكاتب مبتدئ أن يكتب رواية جيدة بربع موهبة)).

ما هي الهواجس الفنية عند الروائي الشاب؟

من بين الأعمال الروائية التي تستحق الإشادة أذكر رواية (القالوفة) للروائي الشاب (عبد الباسط باني)، وهي الرواية الثالثة في مساره الإبداعي. لم أقرأ الروايتين السابقتين (مطلوعة خبز وحب) و (ولد نعيمة نطفة سوداء)، لكني قرأت روايته الأخيرة التي نشرها في دار نشر مصرية محترمة هي منشورات الربيع، وأعجبت بمستواها، على الرغم من بعض الملاحظات الفنية التي يمكن الإشارة إليها، والتي أضعفت بنية الرواية.

عالم كابوسي بشخصيات ممسوخة:

في القالوفة يقدم لنا باني رؤية سوداوية عن جزائر اليوم، انطلاقا من مستويين في السرد: سردية الشخصيات المفككة (الملياني الذي نجا من المذبحة، عبد القادر صابونة الذي فقد ذكورته في الجبل قبل أن يصير رئيسا للبلدية، مبارك الروائي الذي ادعى أنه فقد أنفه) وسردية الحيوانات التي سيكون لها وظيفة في تشييد منظور سردي تهكمي عن الإنسان (الكلب حمو، النيطوش، القملة فليدة، القط مخطار، القرد…إلخ)

عند قراءة الرواية نستطيع أن نصوغ فلسفة الروائي الشاب لوظيفة السرد وهي فلسفة ذات ملمح انتقادي اعتبر فعل السرد آلية لتعرية تناقضات المجتمع، ونقد الوعي الجمعي الذي فشل في تغيير مجرى التاريخ، قبل أن يتحول المجتمع إلى مجرد حديقة خلفية للمسوخ وللحيوانات الغاضبة.

نقرأ هذه الفلسفة في خطاب الملياني لكلبه النيطوش: ((نعم، سنكتب كتابا، لكن لا أريد أن أتورط في مجتمع الكتّاب الحمقى الذين يحبون الأضواء والظهور، أنا مجنون في نظرهم ولن أكتب أدبا مهادنا، سأكتب الحقيقة المؤلمة ليفهم الناس كيف وصلنا إلى ما نحن عليه الآن، أنا عايشت أزمانا مختلفة وعرفت كيف تحول المجتمع الجزائري إلى هذه المسوخ المتراصة في علب الطرامواي بحثا عن كسرة خبز أو بضع بيضات)). سنأخذ من هذه الفقرة جملة واحدة، وفي تصورنا ستشكل مفتاحا هاما لفهم فلسفة الكتابة عند الروائي، والجملة هي: (لن أكتب أدبا مُهادنا)، لأنّ الرواية ككل لم تكن مُهادِنة على الإطلاق، وأحيانا بشكل مُزعِج.

يستعيد الروائي موضوع الإرهاب وجرائم الإرهابيين، لكن من جهة الوعي بآثار المرحلة على الأجيال اللاحقة، متسائلا: ما الذي تغير منذ ذلك الوقت؟ سيسائل المرحلة عبر شخصيتين محوريتين: الملياني (الضحية) الذي هو في الأصل ابن الصحفي (رشيد) الذي نحرته الجماعات الإرهابية في بداية الرواية، وكانت الصفحات الأولى من أعنف المشاهد التي يُمكن قراءتها. وعبد القادر صابونة (الجاني) وهو إرهابي سابق وعدو لذود للكلاب، والذي استفاد من قانون المصالحة الوطنية، نجح في التملق والتسلق مستغلا دهاءه الفطري وخبثه ليصير رئيسا للبلدية يتحكم في كل صغيرة وكبيرة.

الجميع متذمر في الرواية، كل يحمل داخله جذوة ثورة مؤجلة للانقلاب على العالم الموحش والبائس. شخصيات تعاني من تعفن داخلي جعلها أقرب إلى المسوخ منها إلى البشر؛ كل يعيش على عقدة مركبة داخله؛ فعبد القار صابونة كان ذميما في شبابه، ولما التحق بالإرهابيين في الجبل، حاول اغتصاب كلبة، مما سبب له في فقدانه لعضوه الذكري عندما قامت الكلبة بعضه دفاعا عن نفسها. أما (مبارك) الكاتب فاستيقظ ذات صباح ليكتشف بأنه فقد أنفه، فاتهم كلبه وقطه بالتهام ذلك الأنف. وبخصوص شخصية مبارك فهو شخصية غريبة ذو نزوع إجرامي خفي، يظهر في علاقته بصديقه (الناقد) الذي لا اسم له عكس جميع الشخصيات بما فيها الحيوانات (!) فهو يكن له كراهية غير طبيعية وغير مبررة، ما دفعه إلى أن يطبخ له كبد كلبه، انتقاما منه. أما (منصوري) فقد كان عاشقا ﻷم كلثوم قبل أن يصير إرهابيا متعطشا إلى الدماء.

لم يتوقف الأمر هنا، إذ انتقل السرد في فترات عديدة إلى الحيوانات؛ الكلب حمو، النيطوش، القملة، القرد…إلخ بل ستقود هذه الحيوانات حراكا ثوريا يقوده الكلب (نيطوش). يحيلنا المشهد على رواية عالمية هي (مزرعة الحيوانات) لجورج أورويل، حيث تثور الحيوانات على صاحب المزرعة.

ستتحرك الشخصيات سواء أكانت آدمية أم حيوانية في منطقة اللايقين؛ تتملكها رغبة في التغيير لكنها لا تمتلك الأدوات لأجل ذلك، بل عاجزة هي حتى عن تغيير مصيرها الخاص.

نهاية الرواية كانت بمثابة انقطاع مفاجئ لخيط السرد، وضعت القارئ أمام سؤال دون إجابة: هل سينجح حراك الحيوانات؟ وإذا فهمنا هذه النهاية، فهي تلغي منطق الحتميات التاريخية، لتعيد الأوضاع إلى نقطة البداية، كأن الجميع سجناء دائرة مغلقة، أو كأنهم أضاعوا البوصلة والاتجاه الصحيح.

في هذا السياق، يجب التفريق بين التحول والتغيير؛ فالشخصيات في الرواية متحولة من حالة إلى أخرى، لكن تحولها لا يعني التغيير بالضرورة. صحيح أن عبد القادر صابونة تحول من إرهابي إلى رئيس بلدية، لكنه في بنية تفكيره لم يتغير، إذ ظل نفس الشخص الذي تتحكم فيه رغبات العنف. لهذا يبدو التاريخ في الرواية مجرد آلة معطلة، أو مجرد ديكور خارجي قاتم السواد.

كتابة ترميزية

لا تخفي رواية باني روحها الانتقادية الشرسة، منذ جملتها الاستهلالية التي من شأنها أن تصدم القارئ بلذاعتها، وبقسوتها، وبصدقها كذلك. وﻷجل تمكين هذه الروح من التجسد، لجأت الرواية إلى الترميز، لتمرير رسالة مضمرة، تعكس رؤية سوداوية لا تخلو من السخرية لما آلت إليه البلاد من انحرافات وتشوهات بنيوية.

سيختزل البلد في صورة (القالوفة) وهي المكان الذي تحجز فيه الكلاب الضالة، التي تتسكع في الشوارع وتشكل تهديدا لسلامة الناس. وفي الوقت نفسه، سيمنح للحيوانات قدرة على الكلام والتعبير، لنرى العالم بعيونها. وسيتحول الكلب (النيطوش) إلى شخصية محورية، ﻷنه في الأخير سيقود حراكا حيوانيا للتنديد بالأوضاع المزرية، بموازاة حراك كان الملياني المجنون يدعو إليه.

ثورة الكلب النيطوش تذكرنا برواية مرجعية من الرواية العالمية وهي (مزرعة الحيوان) لجورج أورويل؛ وهي الرواية الأليغورية التي قدمت نقدا للأنظمة الشيوعية، من خلال تخيل ثورة قادها مجموعة من الحيوانات في مزرعة أحد المزارعين.

لا ندري إن كانت الإحالة إلى هذه الرواية كانت مقصودة أم أن التشابه جاء عفويا، لكنها كانت مهمة في تعزيز أبعادها الفنية، ﻷنها أعطت للأحداث وللشخصيات عمقا رمزيا يفتح آفاق التأويل مشرعة على معاني كثيرة.

أعتق التوظيف الرمزي للحيوانات الروايةَ من الوقوع في الإيديولوجي والسياسي، ورفعها إلى مرتبة الفن، ﻷن الأصل في هذا الفن هو ترميز الواقع بدل إعادة إنتاجه ميكانيكيا، وعلى حد تعبير الناقد (سعيد بنكراد): ((كان السرد التخييلي دائما محاولة لتصوير الممكن في الوجود، وليس رغبة في استنساخ واقع عارض، أو محاولة لاستعادة بعض تفاصيله، فما يحاول الروائي الإمساك به هو مناطق لا تُرى في المعيش)). (سيميائيات النص: ص143).

الأعطاب الفنية:

سنعترف بأن الرواية قد خلقت الاستثناء عند جيل الشباب، وهذا واضح في لغتها، وفي سردها المتين، وفي حوارات شخصياتها. ومع ذلك، عانت الرواية من ضعف كبير في الربط بين فصولها، ونرجع السبب إلى إقحام شخصيات ومشاهد بلا طائل ولا وظيفة ولا فائدة، بل هي فائض نصي وزوائد سردية كان يمكن التخلص منها، لضمان متانة أكبر للرواية. (فصل القملة مثلا) ثم جاءت في أغلب الأحيان متناثرة، تفتقِدُ إلى نسق منطقي.

وعلى صعيد الانتقاد، ثمة أفكار بالغت في تشويه صورة الجزائري إلى حد وضعه في نفس مقام الكلب، أو في الأنسنة المبالغ فيها للحيوانات، حتى أن القرد يفهم في نظرية داروين.