بقلم خليفة عبد السلام –

منذ نشأة الرواية الحديثة ظل الحدث يُنظر إليه بوصفه العمود الفقري للعمل السردي؛ فالحكاية تتقدم عبر الوقائع والشخصيات تُعرَف من خلال أفعالها والصراع يتجسد في المواجهة مع العالم الخارجي.. غير أن التحولات الفكرية والجمالية التي عرفها القرن العشرون أعادت النظر في هذه المسلمات، فبرزت أنماط روائية جديدة تخلت عن رؤيتها القديمة ولم تعد تنظر إلة الحدث مركزا وحيدا للسرد، إنما نقلت بؤرة الاهتمام إلى الإنسان من الداخل إلى منطقة الوعي والأسئلة والشكوك والهواجس.. ومن هنا نشأت الحبكة الذهنية بوصفها أحد أهم إنجازات الرواية الحديثة
الحبكة الذهنية ليست غيابا للأحداث كما يتوهم بعض القراء ولكنها إعادة تعريف للحدث نفسه.. ففي الرواية التقليدية يقع الحدث في الخارج- أما في الرواية الذهنية فإنه يحدث في الداخل؛ في منعطف فكرة أو انهيار يقين أو انبثاق ذكرى أو لحظة اكتشاف ذاتي تغير رؤية الشخصية إلى العالم.. وهكذا يصبح العقل فضاء دراميا لا يقل اتساعا وتعقيدا عن ساحات المعارك أو مغامرات الأبطال
لقد أدرك الروائي الحديث أن أخطر الصراعات ليست تلك التي تدور بين الإنسان والآخرين ووجه إهتمامه نحو تلك التي تدور بين الإنسان ونفسه.. فالخوف والاغتراب والقلق الوجودي والبحث عن المعنى، كلها معارك صامتة قد لا يراها أحد ولكنها قادرة على أن تزلزل حياة الفرد بأكملها.. لذلك اتجه السرد إلى استكشاف المناطق المظلمة في النفس البشرية وأصبح الوعي ذاته مادة روائية خصبة
في الحبكة الذهنية تتراجع سلطة الزمن الخطي، فلا تعود الرواية أسيرة التتابع التقليدي للأحداث وقد تقف الشخصية في لحظة قصيرة من عمرها، بينما يتشعب السرد عبر عقود من الذكريات والتداعيات والتأملات.. وقد يمتد فصل كامل داخل دقيقة واحدة من الزمن الواقعي- لأن الزمن النفسي أكثر اتساعا من الزمن الموضوعي.. وهنا يتحول السرد إلى رحلة في طبقات الذاكرة والوعي، لا إلى مجرد تسجيل للوقائع
إن الرواية الذهنية لا تبحث عن التشويق بمعناه السطحي القائم على المفاجآت المتلاحقة، وإنما تسعى إلى نوع آخر من الإثارة- إثارة الفكر.. فالقارئ لا يلاحق ما سيحدث للشخصية، ولكنه يحاول فهم ما يجري داخلها.. إنه يدخل في حوار مع النص ويشارك في إنتاج معناه ويغدو شريكا في رحلة التأمل والاكتشاف ولذلك تتطلب هذه الرواية قارئا يقظا يمتلك الصبر والقدرة على التأويل
ولعل القيمة الكبرى للحبكة الذهنية أنها نقلت الرواية من مستوى الحكاية إلى مستوى المعرفة.. فلم تعد الرواية مجرد وسيلة لسرد قصة، لقد توسعت وأصبحت أداة لفهم الإنسان إنها تكشف هشاشة الذات وتعقيدها وتضع القارئ أمام أسئلة لا تنتهي حول الحرية والهوية والذاكرة والزمن والمصير.. ومن خلال هذا التحول اكتسب الفن الروائي قدرة استثنائية على سبر أغوار التجربة الإنسانية
إن انتصار الحبكة الذهنية في كثير من الأعمال الروائية الحديثة لا يعني نهاية الحبكة الحدثية، من زاوية أخرى يؤكد أن الرواية مفتوحة على قدرة التجدد واستيعاب أشكال متعددة من التعبير.. غير أن الرواية الذهنية تظل الأكثر قدرة على تمثيل إنسان العصر الحديث؛ ذلك الإنسان الذي يعيش في عالم مزدحم بالأحداث، لكنه يواجه في أعماقه أسئلة أكبر من كل الأحداث.. فحين يصبح الوعي ساحة للصراع ويغدو الفكر بطلا للسرد، تولد الحبكة الذهنية بوصفها أحد أرقى أشكال الكتابة الروائية وأكثرها عمقا وإثارة