وقع النعال، رائحة البخور المنبعثة من الزاوية، حشرجة العربات ليلا، وأصداء إطلاق النار؛ كل هذه التفاصيل رسمت في ذهني لوحة انطباعية حية من زمن الاستعمار الفرنسي للجزائر. أذكر الليلة الأولى التي بدأت فيها قراءة رواية زوجة السيدين؛ كنت أتصور أن ذهيبة هي المقصودة بهذه الصفة بعدما اقتحمتُ ذكريات لعرج عن قصة حبهما، لأكتشف عند بلوغ الفصول الأخيرة أن الحقيقة تنافي تماما ما بنيته وأنها صادفتني ولكن لم أنتبه لها في ذكريات لعرج؛ حتى أني شعرت أن غضب صديقه سليمان كان موجها لي أيضا.. وقد تخيلته أحد السيدين، فيا ترى من هي زوجة السيدين؟
وبما أن هذه الرواية استحقت قراءة ثانية، كان من الصعب إنصافها في مراجعة عابرة.
كما برع الكاتب علي هجرسي في تقنية تعدد الأصوات البوليفينية، منتقلا بين لعرج وصديقه سليمان وذهيبة، وبين صوت الراوي العليم.
1/ أصوات الماضي في زنزانة الحاضر لدى شخصية لعرج:
تبدأ الرواية من غياهب السجن في محتشد أفلو، حيث يحاول لعرج تنفس ذكرياته لتطرد سموم كوابيسه، ليستحضر أصوات قريته الغيشة وجبالها.
وبخروجه منه، ظل الماضي يحضر في ثنائيات موجعة؛ فصوت ذهيبة يمثل السلام والسلوى في زمن الحرب، بينما يمثل ناي صديقه سليمان أنين الساعات الطويلة، وعويل فقدان الأرض والنخوة الهاربة، خصوصا بعد قتله للإمام المناصر للاستعمار.
2/ ذكاء العنوان وعلاقته بأوريلي بيكار:
رغم أن قصة المرأة أوريلي بيكار ( اللا يمينة كما عرفت لاحقا) وعن زواجها من الأخوين أحمد التيجاني ثم بشير لم تظهر بوضوح إلا في الصفحات الأخيرة، إلا أن العنوان: زوجة السيدين كان اختيارا موفقا من الكاتب علي هجرسي لعدة أسباب؛ إذ عمل كخيط خفي يولد الترقب خلال القراءة المركزة، حيث تمهد الرواية لهذه الشخصية التاريخية الحقيقية عبر إشارات متفرقة تربط بين المتخيل السردي مع حياة لعرج والواقع التاريخي.
ويعد هذا العنوان ضمنيا رمزا لأرض الجزائر حيث تقاسمتها الولاءات بين سيد روحي تمثله الزاوية التي تدعو للمهادنة، وسيد مستعمر مثلته أوريلي باختراقها الناعم.
وإن تأخير قصتها قد أبرز الفجوة بين عالم قصر كوردان أعجوبة الصحراء، وعالم الأكواخ في قرية الغيشة التي شوهها القصف.
3/ الخاتمة: صمت الأرض وعزف الحطام
تنتهي الرواية بانتصار معركة جبل الشوابير ودمار قرية الغيشة برمتها، ولم يبق سوى ناي صديقه سليمان الحزين.
وبهذا كانت زوجة السيدين مظلة فكرية لخصت مأساة الوطن؛ فبينما القصور تحمي أصحابها، تظل القرى الفقيرة تدفع ضريبة الحرية من دمها المتقد وصمتها الأبدي.
