الرياضة مرآة تعكس ما يحمله المجتمع من قيم وأفكار.
فهي في جوهرها مساحة جامعة، يلتقي فيها الناس على حب اللعبة، متجاوزين اختلافاتهم الثقافية والسياسية.
وحين تُستخدم هذه المساحة لإبراز الهوية المشتركة، فإنها تتحول إلى جسرٍ يعزز الانتماء والوحدة.
نرى ذلك جليًا في مواقف عديدة، مثل احتفال بعض المنتخبات بهويتها الوطنية أو تراثها التاريخي، كاستحضار رموز الفايكنج لدى المنتخب النرويجي، أو رفع الأعلام الوطنية والاعتزاز بالجذور الثقافية.
هذه المشاهد غالبًا ما تُقابل بتفاعل إيجابي، لأنها تلامس قواسم مشتركة، وتغذي الشعور الجماعي دون أن تُقصي أحدًا.
كما قدمت الرياضة نماذج ناجحة في توحيد الشعوب حول قضايا إنسانية عامة، مثل الحملات ضد العنصرية في ملاعب كرة القدم، حيث عبّر اللاعبون عن رفضهم للتمييز بطرق رمزية لاقت قبولًا واسعًا، لأنها تستند إلى مبادئ إنسانية تكاد تكون محل اتفاق عالمي.
في المقابل، حين تُطرح قضايا أكثر جدلية، تختلف حولها القيم والتصورات بين المجتمعات، فإن تأثيرها يتغير بشكل واضح. فبدلًا من أن تكون عامل توحيد، قد تتحول إلى مصدر توتر واستقطاب بين الجماهير.
ومن ابرز الأمثلة على ذلك ما الجدل الذي سبق مباراة مرتقبة بين منتخبي مصر وإيران في كأس العالم 2026، حيث تم ربط اللقاء بفعالية لدعم الشواذ حول العالم. ما أثار اعتراضاً رسميا دً من البلدين.
فقد رفض كل من الاتحادين المصري والإيراني إدخال أي مظاهر أو رسائل غير رياضية خلال المباراة، مؤكدين ضرورة الحفاظ على الطابع الرياضي البحت.
في المقابل، تمسكت الجهة المنظمة بالسماح بهذه الرموز، ما خلق حالة من التوتر والانقسام حول الحدث.
هذا المثال يوضح كيف يمكن لقضية خلافية أن تنقل التركيز من أرض الملعب إلى خارجه، وأن تُحوّل الأجواء من منافسة رياضية إلى نقاش ثقافي محتدم، ينقسم فيه الجمهور بين مؤيد ومعارض.
لذلك، تكمن حساسية استخدام الرياضة كمنصة لنشر الأفكار في طبيعة الرسالة نفسها. فكلما كانت الرسالة جامعة وقريبة من وجدان الجميع، زادت قدرتها على التأثير الإيجابي وتعزيز الوحدة. أما إذا كانت مثار خلاف، فإنها قد تُضعف الدور الأساسي للرياضة كمساحة تجمع الناس بدل أن تفرقهم.
وفي النهاية، تبقى الرياضة قوة ناعمة هائلة، لكن نجاحها في هذا الدور مرتبط بحسن توظيفها، وبالوعي بأن جمهورها متنوع، يحمل قيمًا مختلفة، ويبحث قبل كل شيء عن لحظة تجمعه بالآخرين، لا تفرقه عنهم.
الرياضة مرآة تعكس ما يحمله المجتمع … بقلم محمد زكريا المقداد
IMG 20260604 WA0005
