أمام الكم المعلوماتي والتدفق اللا محدود وتناسل الآراء والصور والخطابات بوتيرة لم يشهدها التاريخ من قبل أصبح الحديث عن الوعي أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.. فالمفارقة الكبرى لعصرنا ليست ندرة المعرفة وإنما وفرتها المفرطة، وليست مشكلة الإنسان المعاصر أنه لا يعرف بل العكس تماماً- أنه يعرف كثيرا دون أن يعي بالضرورة ما يعرفه ومن هنا يبرز سؤال فلسفي وثقافي عميق- كيف نمارس الوعي؟
إن الوعي ليس مخزنا للمعلومات ولا شهادة أكاديمية ولا قدرة على استظهار المعارف.. فالإنسان قد يكون مثقفا ويحفظ لاف الكتب لكنه يظل أسير أفكار جاهزة لم يختبرها يوما بعقله، لذلك يفرق الفكر الفلسفي بين المعرفة بوصفها تراكما للمضامين والوعي بوصفه قدرة على إدراك تلك المضامين وتحليلها ومساءلتها
ممارسة الوعي تبدأ من الشك- وهنا ليس الشك العدمي الذي يهدم كل شيء ولكنه الشك المنهجي الذي دعا إليه ديكارت عندما اعتبر أن السؤال هو الطريق الأول إلى اليقين.. فالوعي لا يولد من التسليم وإنما من مساءلة المسلمات.. كل فكرة لا تُسأل تبقى سلطة، وكل سلطة لا تُفحص تتحول إلى قيد على العقل
ولهذا فإن أول أشكال الوعي هو الوعي بالذات.. أن يصبح الإنسان قادرا على مراقبة أفكاره ومعتقداته ورغباته وأن يسأل نفسه باستمرار- لماذا أفكر بهذه الطريقة؟ من أين جاءت هذه القناعة؟ هل هي نتاج تجربة شخصية أم مجرد ميراث اجتماعي وثقافي؟ إن الذات التي لا تراجع نفسها تتحول إلى سجن مغلق، بينما الذات الواعية تظل مشروعا مفتوحا على المراجعة والتطور
غير أن الوعي لا يتوقف عند حدود الذات، ولكنه يمتد إلى اللغة.. فاللغة ليست مجرد أداة للتعبير فقط وإنما هي أداة لتشكيل الإدراك نفسه.. كثير من الأفكار التي نتبناها لا تصلنا بوصفها حقائق، في واقع الأمر تصلنا بوصفها كلمات ومصطلحات وشعارات ولذلك فإن ممارسة الوعي تقتضي تفكيك اللغة السائدة والكشف عما تخفيه الكلمات من مصالح وأيديولوجيات وصور ذهنية، فكل خطاب يحمل رؤية معينة للعالم والوعي يبدأ حين ندرك أن الكلمات ليست بريئة دائما
كما أن الوعي الحقيقي هو مقاومة دائمة للتلقين..فالمجتمعات لا تكتفي بتعليم الأفراد وإنما تعمل في كثير من الأحيان على إنتاج أنماط جاهزة من التفكير ولهذا يصبح الوعي فعل تحرر قبل أن يكون فعل معرفة؛ إنه قدرة الإنسان على أن يرى بعينيه لا بعيون الآخرين وأن يفكر بعقله لا بعقول الجماعة وهذا لا يعني الانفصال عن المجتمع كما يعني المشاركة فيه من موقع الفاعل لا من موقع المقلد
ومن هنا يرتبط الوعي ارتباطا وثيقا بالثقافة.. فالثقافة هي أيضا ليست تراكما للمعلومات وإنما هي توسيع لأفق الرؤية.. الإنسان الواعي لا يقرأ ليجمع المعارف فقط، وإنما ليعيد بناء نفسه حيث يتعامل مع القراءة والفن والفلسفة والأدب بوصفها أدوات لاكتشاف الإنسان والعالم، لا مجرد وسائل للترفيه أو التفاخر المعرفي
لقد أدرك فلاسفة الحداثة أن الوعي ليس حالة ثابتة، بينما هو ممارسة مستمرة.. فالإنسان لا يصبح واعيا مرة واحدة وإلى الأبد، وإنما يمارس الوعي كل يوم من خلال التفكير والنقد والمراجعة والتأمل.. إنه جهد دائم ضد الكسل الذهني وضد الإغراءات التي تدفع العقل إلى الاستسلام للأفكار الجاهزة،
لذلك يمكن القول إن ممارسة الوعي هي الانتقال من العيش داخل العالم إلى فهم العالم ومن تكرار الأفكار إلى إنتاجها ومن الخضوع للمعنى إلى المشاركة في صناعته- إنها لحظة يتحول فيها الإنسان من كائن يتلقى الواقع إلى كائن يعيد قراءته وتأويله
فالوعي في جوهره العميق ليس أن تعرف أكثر، بل أن ترى أبعد.. وليس أن تمتلك الأجوبة كلها، ولكن أن تمتلك الشجاعة الكافية لطرح الأسئلة التي يخشاها الآخرون وعند هذه النقطة تحديدا يبدأ الإنسان رحلته الحقيقية نحو الحرية.
ممارسة الوعي- من امتلاك المعرفة إلى بناء الإنسان… بقلم خليفة عبد السلام
IMG 20260430 134408
