لطالما احتل الوعي مكانة مركزية في تاريخ الفكر الإنساني، فمنذ أن أعلن ديكارت مقولته الشهيرة -أنا أفكر إذن أنا موجود- أصبح الوعي بمثابة الأرض الصلبة التي تقف عليها المعرفة والمرجع الأخير الذي تعود إليه الحقيقة.. لقد امنت الحداثة بأن الإنسان يمتلك في داخله مركزا عاقلا وواعيا يستطيع من خلاله فهم العالم وإنتاج المعنى والسيطرة على الواقع، كان الوعي بمثابة القاضي الذي يحتكم إليه الجميع ولم يكن أحد يفكر في استدعاء هذا القاضي نفسه إلى منصة الاتهام
غير أن المشهد الفلسفي تغير جذريا مع بروز تيارات ما بعد الحداثة.. فبدل مساءلة العالم بواسطة الوعي، بدأت الفلسفة مساءلة الوعي نفسه وبدل اعتبار الذات العارفة أصلا ثابتا للحقيقة، أصبحت هذه الذات موضوعا للتفكيك والتحليل والنقد. وهنا ظهر أحد أكثر الأسئلة جرأة في الفكر المعاصر- هل يمكن أن يكون الوعي ذاته مجرد بناء تاريخي وثقافي؟ وهل يمكن أن يكون ما نعتبره مصدرا للحقيقة خاضعا هو الآخر لقوى خفية تشكله وتوجهه؟
لقد اكتشفت ما بعد الحداثة أن العقل الذي يدعي الحياد ليس دائما محايدا وأن الوعي الذي يعتقد أنه يرى الأشياء كما هي قد يكون أسيرا لشروط لا يدركها.. فالإنسان لا يولد داخل فراغ فلسفي وإنما يولد داخل شبكة كثيفة من اللغة والتاريخ والتربية والعادات والمؤسسات والسلطات.. ومن هنا بدأ الشك يتسلل إلى صورة الوعي التي بنتها الحداثة
يأتي ميشيل فوكو ليطرح سؤالا حاسما- هل أفكارنا نابعة فعلا من وعينا الحر، أم أنها نتاج أنظمة معرفية وسلطوية تسبقنا وتحدد طرق تفكيرنا؟ بالنسبة لفوكو، لا يوجد وعي معزول عن السلطة.. فالمدرسة والجامعة والإعلام والقانون والدين وسائر المؤسسات الاجتماعية لا تكتفي بتنظيم المجتمع، لكنها أيضا تشارك في إنتاج أنماط معينة من التفكير وبهذا المعنى يصبح الوعي نفسه نتيجة لمسار تاريخي طويل، لا نقطة انطلاق خارجة عن التاريخ
أما جاك دريدا فقد وجه نقده إلى الفكرة القديمة التي تفترض أن المعنى حاضر داخل الذات بصورة كاملة.. فالإنسان يفكر بواسطة اللغة، واللغة ليست نظاما شفافا ينقل المعنى كما هو، بل فضاء متحرك من العلامات والاختلافات والانزياحات ولذلك فإن الوعي لا يمتلك المعنى بصورة نهائية، لأن اللغة التي تمنحه أدوات التفكير تجعل المعنى دائم التأجيل.. هنا يفقد الوعي امتياز السيادة المطلقة على الحقيقة ويصبح هو نفسه محكوما بحدود الوسيط اللغوي الذي يعمل من خلاله
أما جان فرانسوا ليوتار فقد رأى أن الحداثة بنت مشروعها على ما سماه -السرديات الكبرى- تلك الروايات الشاملة التي ادعت تفسير التاريخ والإنسان والمعرفة تفسيرا كليا، ومن بين هذه السرديات صورة الذات العاقلة القادرة على الإحاطة بالعالم ولكن ما بعد الحداثة لم تعد تثق بهذه اليقينيات الكبرى، حيث نظرت إليها بوصفها إنشاءات فكرية مرتبطة بظروف تاريخية محددة لا حقائق مطلقة
لينتقل من هذه المساحة الفكر الفلسفي من سؤال- كيف نعرف العالم؟ إلى سؤال أكثر تعقيدا- كيف يتكون الوعي الذي يعرف العالم؟ فالوعي لم يعد أداة محايدة للمعرفة، لقد أصبح هو نفسه موضوعا للبحث ولم تعد المشكلة في حقيقة الأشياء فقط، إنما في الاليات التي تجعلنا نعتقد أن شيئا ما حقيقة
قد كشفت ما بعد الحداثة عن أخطر لغم يصادف الإنسان؛ إذ قد يعيش وهم الحرية الفكرية بينما يتحرك داخل منظومات فكرية جاهزة لا يشعر بوجودها.. فالوعي قد يكون مقتنعا بأنه يفكر بحرية كاملة.. في حين أن لغته وقيمه ومفاهيمه وصوره الذهنية قد صيغت مسبقا داخل فضاء اجتماعي وثقافي معين ليصبح من هذا المنطلق الوعي مطالبا بأن يلتفت إلى نفسه وأن يراجع الشروط التي أنتجته قبل أن يحاكم العالم من حوله
غير أن هذا النقد لا يعني إعلان موت الوعي أو سقوط العقل كما يعتقد البعض.. فما بعد الحداثة لم تسع إلى إلغاء الوعي كما سعت إلى تحريره من أوهام يقينه المطلق لإنها تدعو إلى مستوى أعمق من الإدراك؛ مستوى يصبح فيه الإنسان واعيا بحدود وعيه ذاته.. فالوعي الحقيقي لا يتمثل في امتلاك أجوبة نهائية وإنما يتجسد في امتلاك القدرة على مساءلة الأسئلة والأدوات التي نصنع بها تلك الأجوبة
وهكذا يصبح الوعي في الفكر المعاصر مشروعا مفتوحا لا حقيقة مكتملة.. إنه حركة مستمرة من النقد والمراجعة والتفكيك وكلما ظن الإنسان أنه بلغ يقينا نهائيا ظهر سؤال جديد يكشف له أن ما اعتبره حقيقة لم يكن سوى طبقة أخرى تحتاج إلى الفحص
لذلك يبقى أعظم إرث خلفته ما بعد الحداثة ليس الشك في العالم وإنما الشك في المركز الذي ننظر منه إلى العالم.. لقد نقلت الفلسفة من نقد الواقع إلى نقد الذات العارفة نفسها ومن مساءلة الأشياء إلى مساءلة العين التي تراها وعند هذه النقطة تحديدا يولد ما يمكن تسميته -الوعي بالوعي- وهي أعلى درجات اليقظة الفكرية التي لا تكتفي بفهم العالم كما تسعى إلى فهم الشروط التي تجعل هذا الفهم ممكنا أصلا
حين يصبح الوعي موضوعا للوعي- مساءلة الذات العارفة في زمن ما بعد الحداثة… بقلم خليفة عبد السلام
FB IMG 1664306348686
