1/ مأساة الفقد وبناء التوتر السردي:
تبدأ الرواية بسرد مأساة فقدان “سعاد” لزوجها المحامي “يوسف سركاجي” في حادث مرور احتراقًا، وهو حدث مؤسس يخلخل البنية النفسية والعائلية للشخصيات، إذ تعاني ابنتهما “سلاف” نتيجة لذلك من اكتئاب حادّ يستمر قرابة سنتين، ناتج أساسا من عدم قدرتها على العيش من دون أب “قضى (..) حياته وهو يحقق لها أحلامها ” (ص13). تعمد الروائية إلى إقناع القارئ بمأساوية وضع سلاف عبر تكثيف الوصف، إذ يُبنى الإحساس بالانكسار من خلال الفضاء الروائي المشحون دلاليا فتصبح الغرفة حيّزا خانقا يعكس التآكل الداخلي للشخصية، مظهرة ـ”الجدران كئيبة ورائحة الرطوبة منتشرة”، و”النافذة كعادتها مغلقة بالمسامير” في توصيف يجعل المكان نفسه حاملًا لذوات متأزمة نفسيا، وبذلك تُمنح للسرد حين تحكيث تحركات الشخصية وظيفة إيحائية، كما تُقنع الروائية القارئ بمأساوية وضع سلاف عبر تشييء الجسد واعتماد الصمت بوصفهما خطابًا سرديًا دلاليا إذ يتحول الجسد إلى سجلّ للمعاناة، كما يظهر في الإشارة إلى “الهالات العميقة تحت عينيها” التي “أفسدت ملامحها السمراء الخفيفة”، (ص11) وهي تفاصيل توحي بانهيار وتآكل نفسي بطيء دون حاجة إلى اعتراف أو شكوى. لتعزز الروائية بهذا الاشتغال المتأني حضور الصمت والأسئلة الوجودية التي تعمّق الشعور باللاجدوى التي تطرحها “سلاف” كقولها: “الذين تأويهم الشوارع كثيرا للتجول والصمت لا يطمئنون إلى مفهوم السقف فوق رؤوسهم” (ص23) فتُبنى المأساة عبر التوصيف والتلميح متجاوزة الحكي المباشر.
2/ تطور السرد وسؤال التماسك:
تعجز الأم عن مرافقتها عاطفيًا، لتختار لاحقًا الزواج من سمير، صديق يوسف القديم، الذي كان يكنّ لها حبًا منذ شبابهما قبل عشرين عامًا. ينتقل السرد تدريجيًا إلى سلاف، التي تقرر كسر عزلتها عبر رحلة بالحافلة لرؤية حبيبها سيف الدين، مساعد والدها الراحل، والذي ابتعدت عنه خلال فترة اكتئابها وهو حدث غير مبرر سرديا اعتمدت الكاتبة في إيراده على إضافة خطاب لتبريره. في الحافلة، تلتقي بالعجوز العمارية، فتتشكل نواة السرد الاسترجاعي، حيث تحكي هذه العجوز تاريخًا مثقلًا بالعنف والخيانة والاقتلاع لتمثل صوت الذاكرة والتاريخ المهمش.
تكشف العمارية عن ماضيها خلال الحقبة الاستعمارية بالإخبار عن زواج اختارته مكرهة من ابن عم خائن للثورة، ثم اغتصابها من طرف جنود فرنسيين بعد اكتشاف مراسلاتها السرية مع المجاهدين. لاحقًا، تتزوج برجل آخر وتنجب توأمًا، لكن الشك يفتك بالزوج حين تولد الطفلة بملامح أوروبية، فيقتنع أنها ليست من صلبه، ويقرر التخلص منها. بعد زمن، يُعاد إليهما ابنهما مذبوحًا، في عقاب قدَري يعمّق المأساة.
تتكفل العمارية بحفيدها سيف، بينما تطرد أمّه، التي تغادر لتتزوج شيخًا في وهران، حاملة بجنين ينسبه الزوج الجديد إليه. هذا الجنين هو رزاق، الذي سيظهر لاحقًا في الحافلة مع نسرين، في تقاطع زمني دال. في خط سردي موازٍ، يظهر رابح، سائق الحافلة، الصديق الثالث ليوسف، الذي أجبر زوجته أمينة على التخلي عن طفلتها، فتركتها أمام بيت يوسف، الذي تكفّل بتربيتها. لاحقًا، تكشف رسالة يوسف أن الطفلة سلاف ليست ابنته البيولوجية .
تتصاعد العقدة حين يتضح أن سمير دبّر مقتل يوسف طمعًا في زوجته ونفوذه، بمساعدة رابح. وفي النهاية التراجيدية، تتكشف الأنساب: فـسعاد هي ابنة العمارية، وهي عمة سيف الدين، وسلاف هي ابنة رابح وأمينة. تصل العمارية في المشهد الأخير إلى ذروة الاعتراف، حين تتعرف على ابنتها من وشم/صليب في جسدها، أثناء قدومها مع سيف الدين لخطبة سلاف، في لحظة تختلط فيها الحقيقة بالفقد، والدم بالقدر.
قدمت رواية المعبودة شهادة سردية مثقلة بالذاكرة والذنب والتاريخ، تتقاطع فيها سيرة الأفراد مع سياق وطني عنيف (العمارية مع الثورة الجزائرية/ يوسف وسعاد مع العشرية السوداء) ووضع اجتماعي متأزم عند الجيل اللاحق (رزاق، سيفو، سلاف). غير أنّ هذا الغنى الموضوعي لا يقابله تماسك سردي مماثل، إذ تظهر مجموعة من الاختلالات التقنية التي تؤثر في قوة التخييل لكنها لا تلغي جمالية نصّ “المعبودة”:
2-1/ اضطراب زاوية الرؤية وتضخم الوعي السردي:
إنّ اللافت في النص هو عدم انضباط المنظور السردي؛ إذ تتكلم الراوية من داخل لحظات ماضية (الطفولة، المراهقة) بوعي فلسفي وأخلاقي لاحق لا ينسجم مع تلك المرحلة الزمنية. تقول مثلًا العجوز عمارية «أدركت لحظتها أنّي سأحترق في الجحيم لقتلي أمي، لكنّني ضحيت بأخرتي كي لا أراها تحترق في دنياي.» هذا النوع من التأمل الأخلاقي المركّب يُنسب إلى وعي ناضج لاحق، لكن السرد لا يصرّح بمسافة زمنية أو بمقام استرجاعي واضح بل يضعها مباشرة بعد القتل، مما يوقع النص في خلط بين زمن التجربة وزمن الوعي بها، ويضعف مصداقية الصوت السردي وليس هذا سوى مثال بسيط عن المسألة.
2-2/ هيمنة التبرير الأخلاقي على الفعل السردي:
تميل الكاتبة في رواية المعبودة كثيرا إلى شرح الدوافع والدفاع عن أفعال شخصياتها بدل تمثيلها سرديًا، إذ لا تترك الأفعال السردية لتخلق توترها الأخلاقي في المسار السردي، بل تُلحق فورًا بخطاب تبريري مباشر، كما هو الحال حين قررت سلاف المكتئبة نفسيا الخروج من البيت: «كيف تطمين مآثمها فجأة؟ العلاج النفسي أو فاعلية الدواء أو رحمة الله بها لا تدري. النفس البشرية تمرض وتشفى هكذا أحيانًا بلا أية دوافع.» (ص24) والتوجه التبريري نفسه يرد أيضا للدفاع عن سعاد التي بقيت مرتبطة بسمير رغم أذيته لها “لا تستطيع مقاومة الحياة بدونه، له نفوذه وهي امرأة لديها ابنة مريضة بمرض عصبي” (ص46).
يحوّل التبرير والدفاع عن خيارات الشخوص السرد من فضاء إشكالي مفتوح إلى خطاب أحادي، يوجّه القارئ ويمارس عليه سلطة توجيه فهمه، ونتيجة لذلك تقع الرواية في فخ أحادية الصوت وإلغاء التعدد السردي فرغم حضور شخصيات محورية مهمة جدا( سعاد، سلاف، سيفو، العمارية إلاّ أنها تُرى جميعها عبر وعي الراوية فقط.
2-3/ التبئير وسؤال المسافة بين السارد والشخصية:
يقول السارد متحدثا عن سلاف: “ذلك اليوم رأت الطاولة البنية في زاوية البهو كأنّما تستكشف وجودها خيط الهاتف المنزلي الأسود، سحبها إليه، فكرة جميلة أن يموت إنسان القرن الواحد والعشرين بسلك هاتف، الجهاز الذي يمكنك أن تتصل به كي ينقذوك يمكنه أن ينقذك منه جميعا الخيط طويل بما يكفي لتحويله إلى مشنقة وقوي وأسود، صورة والدها على الجدار بعينيه المستغيثتين تمنعانها. أنزلت ذراعها ببطء وأعادت وضع السلك في مكانه لتعيد اتّصالها بالعالم الخارجي” (ص20). بدأ السرد بوصف رؤية سلاف للهاتف لكن حين يبدأ السارد في الإشارة إلى فكرة الانتحار دون الإشارة المسبقة إلى أنّ الشخصية هي من تفكر في الأمر يصبح صوت السارد هو صوت شخصية سلاف الداخلي والذي كان يجب الإشارة إلى كونه صوتها حتى لا يقع إلغاء للمسافة المطلوبة بين الشخصية والسارد حتى وإن كان عليما.
3/ وعي الكتابة والبناء الدلالي للرواية:
ورغم وجود اختلالات سردية تقنية، كفائض الوعي، وهيمنة التبرير، وأحادية الصوت. إلاّ أنّها اختلالات لا تنقص من أهمية الموضوع الروائي وجمالية نص المعبودة، لأنّه مؤسس على وعي الروائية “شمس ثيزيري” بإمكانات الرواية الدلالية فتشبعت الرواية بقضايا إشكالية، إذ أبانت الرواية عن وعي معرفي سابق لحظة الكتابة جعل هذا النص مؤثثا معرفيا ويظهر ذلك جليا في العبارات المسند قولها للسارد وفي الأسئلة المطروحة: “هل موت الجلاد يجعل الإنسان الذي تم قمعه يعيد تدوير رحلته بشكل متطرف؟” (ص 111) “ربما استطاعت هزيمة صدمة ابنتها، لكن كيف لها أن تفعل هذا وهي إنسان مبتور من الانتماء؟”(ص 7) وفي تعمد فلسفة الحوارات الكاشفة عن وعي فلسفي عالٍ داخل الشخصية نفسها، وهو اختيار جمالي يضع النص ضمن سرد يقوم على السؤال والتأمل مستغلا الحدث الواقع والمرجعية الحقيقية للمكان مثال ذلك حوار سيفو مع سلاف: “- عين دروج لا يظهر منها الإنسان حين ينزل كي يشرب منها. كما ترين درجها تسحبك إلى أسفل، لن يعود باستطاعتك رؤية الشارع المقابل، فقط عين باردة حقيقية وأسمنت وجدران. هذه العين تخفي الإنسان الخجول عن عيون الناس فلا أحد يراه وهو يشرب. كيف يشرب، متى، مع من. إنها عين تعجب الإنسان حين يزورها، لكن عين الفوارة تلك عين فاضحة، عين الجريئين أمثالك، الذين لا يخجلون من الجلوس تحت نهدي تمثال…- شرب الماء لا يحتاج فلسفة… -لا، أنتِ من امتنعتِ عن الشرب منها أولًا، لأنك تستندين إلى فلسفتك، إلى هويتك، وتربيتك، لا تريدين أن تدوس أقدامك اللينة فضلات البسطاء هنا”.
وهذا الحوار -وهو مجرد مثال للدلالة على عمق السرد والحوارات في نصّ المعبودة الذي لا يراعي الفروق ودرجات الوعي بين الشخوص- قد عبّر عن تصدّع داخلي وصراع بين البساطة الحياتية والرقابة الاجتماعية من جهة، وبين الحاجة إلى التحليل والاحتماء بالهوية والتربية من جهة أخرى. تتحول فيه “العين” إلى رمز للاختفاء من أعين الناس، وللنزول إلى منطقة نفسية سفلى يتحرر فيها الفرد مؤقتًا من الحكم الأخلاقي، بينما يصبح شرب الماء فعلًا فاضحا.
من الفقد الفردي إلى الذاكرة الجماعية: قضايا الرواية المحورية:
تطرقت الرواية من خلال علاقة سلاف بوالدها إلى مفهوم الفقد فأظهرت هشاشة الذات البشرية أمامه بتأطير سردي متصاعد مأزوم ومعنى الحياة وعبر علاقتها بسيفو أظهرت تأثيرات الضغط الأسري على الحبّ كما استطاعت ربط قيمة الحب بقيمة المكان: “إن أسوأ شعور ليس فقدان من تحب بل فقدان المكان الذي أحببته فيه.” هكذا تقول سلاف، وتمكنت كذلك من ربط (المعبودة) كمكان مرجعي له دلالته الإسمية بالحب فـ”في كل نفس في ذلك الحي معبودة صغيرة تتملكه تدفعه كي يعبدها في سره… أما هي فليست إلا بابنتها هذه المعبودة الكبيرة” (ص30) ، «كنت معبودة حقا حين جعلتني رجلا يبكي عند باب بيتك.» (ص 60) لتنتقل تدريجيا إلى حقيقة هذا الفضاء التاريخية المرتبط برينا الفرنسية من خلال اعتماد الفلاش باك الذي يحفزه سؤال رزاق للعمارية عن مكان المعبودة: “الحجة نسقسيك بلاصة اسمها المعبودة وين جاية؟” لتمثل صوت الذاكرة الشفهية الذي أرادت به الروائية طرح إشكالية المقدس الزائف وتعدد الأصنام في حياة الفرد.
في فضاء المعبودة التخييلي تؤشكل الروائية سرديا مفهوم الهامش مختارة من المعبودة حيّا يحمل سمات البؤس الاجتماعي متحدثة فيه عن العمران منتقدة بناء المستشفى وسط المدينة، وعن وضع الطالب السائر نحو المجهول وقدمت رؤية إشكالية عميقة عن الأمومة المعطوبة ممثلة في سعاد التي “عاشت وحيدة منبوذة بعدما لفظتها عائلتها وتبرأت منها” (ص 37) لكنّها احتضنت سلاف وربّتها رغم أنّها ليست أمها (كاسرة مقولة فاقد الشيء لا يعطيه) مشتغلة على البعد النفسي في علاقتها مع هذه الابنة المحظوظة لتربية سعاد لها دون أن تكون سعاد بالحظ نفسه إذ تربت في ميتم. ومع تأزم علاقتها بابنتها تختار سمير لأنّه يظهر لها اهتمامه بفنها ومن خلال هذه الشخصية الأنانية والاستغلالية تتطرق الروائية إلى سؤال انتظام الذكورية وقضية الشرف واستغلال المرأة بعد إغوائه لابنة عمه وتركه لها حاملا.
استعاد النص في بنائه لحكايات الشخوص وعلاقتها ببعضها البعض العشرية السوداء في الجزائر جرحاً نفسياً جعل فيها العنف «مُدَيَّناً»؛ وتحولت الحياة اليومية (محل تجاري، جسد فتاة، أب عائد إلى بيته) إلى ساحات محاكمة دينية منحت فيها الجريمة شرعية عقائدية. كما أبانت الروائية قدرة على جعل الذاكرة محوراً مركزياً يؤطر العلاقات السردية في مستويات مختلفة فجعلت البوح فعل جارحا للذات، وأبانت بها تأثير انشطار الهوية على الأجيال المختلفة بدءا بالجيل الذي عاش الثورة ثم العشرية إلى الجيل الحالي الذي ظهر منهم من يحطم تمثال عين الفوارة معيدا الذات إلى الصراع بين الفن والتطرف نفسه الذي كان في العشرية. قدّم الرواية من خلال المعبودة ذاتا وفضاء صورة وطنٍ يبقى الماضي الموجع فيه حاضراً في الذاكرة والهوية والرموز.