في آذار من عامِ 1941، كان الاكتئابُ قد سمّمَ شرايينَ فرجينيا وولف، وأفتى لها بأقصرِ الطرقِ إلى الخروجِ من الحياة، والدخولِ – بكلِّ فداحةٍ وفظاعةٍ – إلى تاريخِ الأدبِ النسويّ.
فملأتْ بيديها المرتجفتين، جيوبَ معطفِها بالحجارة، ثمّ ألقتْ جسدَها في نهرِ ” أوس” القريب من منزلها ، كأنّها أرادت أن تُجرّب للمرةِ الأخيرةِ ثقلَ العالمِ فوقَ صدرها.
ولم تغرقْ وحدها.
غرقَ معها جزءٌ من وعيِ القرنِ العشرين، ذلك القرنُ الذي ادّعى انحيازَهُ للحداثةِ والحرية، لكنه ظلّ نرجسيًّا في شروطِه، قاسيًا في انتقائه، كارهاً لكلِّ ما هو ورديّ، ولكلِّ ما يُهدّدُ صرامتَه الذكورية.
رحلتْ وولف” الناقدةُ والكاتبة ” لترتدي بعدَها مئاتُ الشاعراتِ معطفها ذاته، ويمشينَ في الدربِ نفسِه بحثًا عن قصيدةٍ تنقذهنّ من العطب، فلا يجدنَ في النهايةِ إلا موتًا أكثرَ شاعريةً، وأكثرَ صدقًا من عالمٍ لم يُحسن يومًا الإصغاءَ إلى امرأةٍ شاعرةٍ وهي تحاول بعثَ النصوصِ من جراحِها الساحقة.
رحلتْ وولف، أجل ! لتتحوّلَ الحجارةُ التي أغرقتها إلى آلافِ الأسئلةِ العالقة، الباحثةِ عبثًا عن أيِّ جوابٍ قد يُجفّفُ حيرتَها…
فهل كان على المرأة أن تطفوَ جثّةً فوقَ الماء، كي يقرأها العالمُ أخيرًا، ويُتقنَ الشفقةَ عليها؟
وأين كان الرجلُ من كلِّ هذه المأساة؟
أكان يكتبُها من علٍ، بينما كانت تغرقُ فيها؟
وهل كانت المرأةُ الشاعرةُ تكتبُ ذاتَها حقًّا، أم كانت تستردُّ بالقصيدةِ نفسًا سُلِبَتْ منها طويلًا؟
ولماذا كلّما اقتربت من حقيقتِها في النصّ، اقتربَ العالمُ أكثرَ من إدانتها؟
لعلّ المسألةَ منذ البدءِ، لم تكن سوى مسألةِ تقاليدَ وأعرافٍ.. لذلك ووفاءً للموروث، قيّدَ التاريخُ النساءَ، وأهدى للرجالِ وحدهم مفاتيحَ الحريةِ والإبداع ، فدخلوه من بابه الواسع، ولم تدخلْه المرأةُ إلا من أبوابه الخلفيّة، إن قُدِّر لها الدخول.
فالرجلُ سيّدٌ دائمًا، ومن حقّه أن يعتلي عرشَ اللغة كما يعتلي عرشَ السلطة، وأن يُتوَّجَ مالكًا للقولِ والمعنى.
ومن واجبِ الشاهدين، في هذه المسرحيّةِ المتوارثة، أن ينثروا على أثوابِه الفاخرةِ أبهى الورودِ والعطور، وأن يُباركوا حضوره كما لو كان قدرًا حتميًّا؛ لا لشيء… إلا لأنّه رجل.
وهو الفاتحُ العظيمُ ، ما إن يدرك مِصرًا من أمصارِ الأدبِ، حتى يحفرَ اسمَهُ على أرضِها، وتُدقَّ له أجراسُ النصر، ويحمله أقرانُهُ من الرجالِ على أكتافِهم احتفالًا بالفتحِ… باللغةِ… وبالنصرِ الشعريّ!
أمّا المرأةُ، فلم تدخلْ إلا من الثقوب، بجلبابِها الطويل، وجسدِها النحيل، ووصايا أمِّها، وتهديداتِ القبيلة.
وكانت تكتبُ بين أربعةِ جدرانٍ مسقوفة بالحديد، أو ربما لم يُقدَّر لها أن تكتبَ أصلًا… فتموتُ من شدةِ الشعر في إحدى زوايا البيت.
ولا فرقَ بين الشرقِ والغربِ، فالمرأةُ الشاعرةُ، في كلِّ مكانٍ تبقى الأرضُ تحتها متصدّعةٌ.. فلا يُفهمُ خوفُها، ولا عزلتُها، ولا حتى انتحارُها. وخذْ كلَّ الأديباتِ العربيّاتِ المُعذَّباتِ مثلًا.. من الخنساءِ إلى ميّ زيادة، وهي تلفظُ في المصحِّ العقليِّ ” بلبنان” آخرَ ما تبقّى من ذكرياتها تحتَ سياطِ الاكتئابِ والعزلةِ الحادّة، بعدما انسحبَ من عروقِها ما كان يربطُها بالحياة..وطغى الفصامُ على أطلالها !
ولعلّ ميّ ومثيلاتِها لم يكن يحتجنَ كي يَعِشنَ، إلا يدًا تربّتُ على أكتافِهنّ، وتعترفُ بدموعِهنّ وصمتِهنّ، أو قُلْ تعترفُ – قبل ذلك كلّه -بوجودِهنّ. يدًا لا تصفعُ أحلامَهنّ، بل تُحسنُ الإمساكَ بها، وتُبالغُ في حمايتِها.
لكنّه المجتمعُ الذي يرفضُ هشاشةَ أنثاه، ويُباركُ الجبروتَ والطغيان ، لذلك سيظلُّ يرفضُ كلَّ شاعرةٍ تحاولُ أن تعتلي صهوةَ الفرس، وأن تخترعَ لنفسِها اسمًا لم ترثْه عن جدّتها.
لهذا ستظلُّ نساءُ الأرضِ كلُّهنَّ حبالى، يُطالبنَ العالمَ بالولادةِ، وبالاعترافِ بمولودِهنَّ الشعريّ.
وعلى الرجلِ الشاعرِ أن يؤمنَ -وإن كانت الألفاظُ واحدةً – أنّ اللغةَ مهما ادّعينا حيادَها، ما تزالُ أرضَهُ المحرّمةَ على المرأة.
ولهذا …
فالقصيدةُ التي خرجتْ من ضلعِها لا تُشبهُه، ولن تُشبهَه أبدًا !!!
