يبدو السؤال قاسيا وظالما لحد ما- حيث وبمجرد طرحه نصنع مُداناً أمامنا ومتهماً نحمله كامل الوزر..لأن الفن رافق الإنسان منذ أن رسم خوفه على جدران الكهوف وغنّى حزنه قبل أن يتعلم كتابة التاريخ وحمل الفن أحلام الشعوب وفضح الطغيان وخلّد المظلومين وحوَل الألم إلى صور وأصوات وحكايات.. ومع ذلك بقي الواقع قادرا على إنتاج القسوة نفسها وكأن القصائد لم تُكتب واللوحات لم تصرخ، وكأن المسرح لم يكشف وجوهنا أمامنا
هل أخفق الفن؟ أم أننا حمّلناه وظيفة لا يملك أدواتها؟
الفن لا يملك جيشا ولا يصدر القوانين ولا يوزع الثروة ولا يهدم السجون؛ إنه لا يغيّر الواقع بالطريقة التي تغيّره بها السياسة أو الثورة أو الاقتصاد فقوته أبطأ وأكثر غموضا وأقل قابلية للقياس.. الفن لا يزيل الجدار مباشرة لكنه يجعل الإنسان يرى الجدار ويفهم كيف بُني ويشعر بالاختناق الذي يسببه وهذه المعرفة قد تتحول إلى موقف وقد تبقى مجرد انفعال عابر
هنا تبدأ مأساة الفن- قدرته على كشف الواقع لا تعني بالضرورة قدرته على إصلاحه
كم من رواية وصفت الفقر ثم قرأها الأغنياء في صالوناتهم الفاخرة؟ كم من فيلم فضح الحرب ثم تحوّل إلى مناسبة للجوائز والسجاد الأحمر؟ كم من قصيدة تحدثت عن الحرية ثم صفق لها جمهور عاد بعد دقائق إلى ممارسة القمع داخل بيته وعمله ومحيطه؟ لقد أصبح الإنسان قادرا على الإعجاب بالقيم دون أن يلتزم بها، يتأثر بمشهد مؤلم ويذرف دمعة ثم يستعيد عاداته القديمة كأن شيئا لم يحدث
المشكلة هنا لا تكمن في ضعف الفن وحده وإنما في قدرة الواقع على ابتلاع كل ما يعارضه.. السوق يحوّل التمرد إلى سلعة والمؤسسات تحوّل النقد إلى مهرجان والسلطة قد تسمح بالفن ما دام محصورا داخل القاعات والكتب بعيدا عن التحول إلى وعي جماعي ويصبح الاعتراض جزءا من المشهد وتتحول الثورة إلى ملصق يباع وتتحول صورة المناضل إلى زينة على قميص يصنعه عمال مسحوقون..لقد تعلم النظام الحديث كيف يستثمر حتى في الأصوات التي تفضحه
الفن الذي كان يفترض أن يزعج الإنسان صار في أحيان كثيرة وسيلة لتسليته؛ نذهب إلى السينما لنشاهد البؤس ثم نغادرها ونحن نتحدث عن جودة التصوير ونقرأ رواية عن القمع فننشغل بجمال اللغة ونقف أمام لوحة تمثل الجوع ونسأل عن سعرها.. هكذا يُفصل الألم عن حقيقته ويصبح قابلا للاستهلاك الجمالي، حيث لا يعود الجائع إنسانا يستدعي موقفا وإنما يتحول إلى موضوع فني مثير للإعجاب
حين ينفصل الجمال عن المسؤولية قد يصبح غطاء راقيا للامبالاة
ومع ذلك، لا يمكن مطالبة الفن بأن يؤدي دورا لا يخصه وحده؛ فالفن ليس مؤسسة إصلاح اجتماعي ولا برنامجا حكوميا ولا خطة اقتصادية.. إنه مساحة لإعادة تشكيل الإدراك حيث يغير الطريقة التي نرى بها العالم وهذه بداية كل تغيير لكنها ليست نهايته فرؤية الظلم لا تكفي لإزالته والشعور بالقهر لا يكفي لمقاومته لأن الوعي الذي لا ينتقل إلى ممارسة قد يتحول إلى عبء نفسي أو ترف فكري
الفن يفتح الباب لكن الإنسان هو من يجب أن يعبر
ربما لم يُصلح الفن الواقع لأن المتلقي أراد منه أن يمنحه إحساسا بالسمو دون أن يطالبه بتغيير نفسه.. فنحن نحب الأعمال التي تدافع عن الكرامة لكننا قد نهين الضعفاء في حياتنا اليومية ونردد الأغاني التي تمجد الحري، ثم نخاف من اختلاف الآخرين ونحتفي بالأدب الذي يفضح الاستبداد ثم نمارس استبدادنا الصغير في الأسرة والعمل والعلاقات.. نحول الفن إلى شهادة حسن سلوك فنعتقد أن قراءة كتاب إنساني تجعلنا أكثر إنسانية بصورة تلقائية، فالثقافة لا تقاس بما نعرفه عن العدالة وإنما بما نفعله حين تصبح العدالة مكلفة
هذه المسافة بين التذوق والممارسة هي التي أضعفت أثر الفن ولم يعد السؤال- ماذا فهمنا من العمل الفني؟ السؤال الأشد أهمية- ماذا غيّر في نظرتنا وسلوكنا؟ هل جعلنا أقل قسوة؟ هل دفعنا إلى مراجعة امتيازاتنا؟ هل زعزع يقيننا؟
هل منحنا الشجاعة للاعتراض؟ إن بقي الفن حبيس الدهشة فسوف يتحول إلى لحظة جميلة تنتهي بانتهاء العرض
من جهة أخرى، هناك سبب آخر أكثر تعقيدا- الواقع لا يقوم على الأفكار وحدها.. إنه شبكة من المصالح والخوف والعادات والمؤسسات، يمكن لفيلم أن يقنع آلاف الناس بأن الحرب جريمة لكن مصالح السلاح أقوى من مشاعر المشاهدين ويمكن لرواية أن تكشف وحشية الاستعمار لكن الذاكرة الرسمية قد تعيد كتابة التاريخ كما يمكن لأغنية أن تجمع الحشود غير أن الحماس لا يبني مؤسسات عادلة ما لم يتحول إلى تنظيم ورؤية واستمرار
الفن يوقظ الضمير غير أن الضمير وحده لا يدير المجتمع
ومع هذا، سيكون من الظلم القول إن الفن لم يغير شيئا فكثير من التحولات الكبرى بدأت بصورة أو أغنية أو رواية أو مسرحية كسرت الصمت فالفن غيّر اللغة التي نتحدث بها عن الظلم ووسع حدود الممكن ومنح المهمشين وجها وصوتا
بعض الأعمال لم تسقط الأنظمة لكنها أسقطت الخوف داخل الإنسان وبعضها لم يوقف الحرب لكنه حفظ ذاكرة الضحايا من النسيان وبعضها لم يمنع القمع لكنه حرم الجلاد من احتكار الرواية
قد لا يُصلح الفن الواقع لكنه يمنع الواقع من تقديم نفسه بوصفه قدرا نهائيا
تلك ربما أعظم وظائفه.. إنه يخلق شقا صغيرا في الجدار يدخل منه الضوء والشك ويخبرنا أن العالم كان يمكن أن يكون مختلفا وأن ما نعيش فيه ليس الشكل الوحيد للحياة فحين يفقد الإنسان القدرة على تخيل بديل يصبح الواقع أكثر صلابة وهنا الفن يعيد إلينا هذه القدرة حتى حين يعجز عن منحنا الطريق
المشكلة ليست أن الفن ضعيف وإنما أننا ننتظر منه أن ينجز وحده ما يحتاج إلى وعي وفعل ومؤسسات وشجاعة ونطالبه بأن يصلح المجتمع بينما نترك الفنان معزولا ونحوّل الثقافة إلى زينة ونفصل التعليم عن الخيال ونكافئ الرداءة ونخاف من السؤال فكيف يستطيع الفن أن يغير واقعا يحاصر الفن، ويجرده من خطره، ثم يعرضه في واجهة أنيقة؟!
لا يبدأ إصلاح الواقع حين ننتج فنا أكثر وإنما حين نصبح قادرين على الإصغاء إلى ما يقوله الفن.. الإصغاء الحقيقي ليس إعجابا صامتا- إنه استعداد لأن نتغير.. فالعمل الفني الصادق لا يمنحنا راحة كاملة لكنه يضعنا أمام مسؤوليتنا ويكشف المسافة بين الصورة التي نرسمها عن أنفسنا وحقيقة أفعالنا
الفن لم يفشل في إصلاح الواقع وإنما نحن الذين فشلنا في تحويل ما يكشفه إلى موقف وما يوقظه إلى فعل وما يحلم به إلى مشروع إنساني
وربما لا ينبغي للفن أن يعدنا بالخلاص ويكفيه أن يمنعنا من التعايش الكامل مع الخراب وأن يحفظ في داخلنا ذلك القلق الذي يرفض اعتبار القبح أمرا طبيعيا ما دام الإنسان يتألم أمام لوحة ويرتجف أمام قصيدة ويرى نفسه في رواية، فما تزال هناك إمكانية للمقاومة
الفن لا يصنع العالم وحده لكنه يصنع الإنسان الذي قد يجرؤ يوما على تغييره.
لماذا لم يستطع الفن إصلاح الواقع؟… بقلم خليفة عبد السلام
ChatGPT Image 16 juil. 2026, 17 43 10
