ثمة لحظة تتكثف فيها الخديعة الكبرى، لحظة يرتطم فيها انغلاق الستار بصحوة الروح المستلبة. لم يكن هبوط الثوب المخملي الأحمر إعلانًا للنهاية، بل تدشينًا للمأساة الحقيقية؛ إذ بقيت واقفًا فوق ألواح الخشبة المتهالكة، لا كبطل يرتشف نخب التبجيل، بل كشاهد منسي في رقعة الضوء الآفلة… كظل انفلت من جسده، يتيه في فضاء لا يعترف بالانتماء، وصوت تفتت في الحنجرة قبل أن يبلغ مسامع الوجود.

تلاشت الجلبة، وانكمشت الأكف التي كانت تقرع الفراغ بتصفيق جماعي فاتر، بدا في جوهره ككذبة انتهت مدة صلاحيتها مع انطفاء أولى مصابيح العرض. وفي تلك العتمة المتسللة، رأيت الديكور الفخم يتداعى؛ ولم تكن الجدران المستعارة أو الأعمدة الزائفة هي التي تسقط، بل البنية الخفية التي كانت تسند الوهم، حتى غدا المسرح كله هيكلًا أجوف ينتظر ريحًا تذروه.

أين أنا في هذه الهندسة البائسة؟ هل كنت المؤدي الذي أتقن تقمص هوان الروح، أم الضحية التي صيغ قدرها بمداد عجن من الخوف؟ أم أنني لم أكن سوى رقم عابر في كراس الإخراج، إحصائية صامتة لا تملك حتى حق الاحتجاج على موتها؟

استيقظت متأخرًا على حقيقة حادة كالمشرط: هذا النص الذي أفنيت عمري في تلاوته لم يكن نصي، وهذا الحشد الذي ملأ المقاعد لم يكن جمهوري الذي يفهم لغة صمتي، أما المخرج… فلم يكن وجهًا يمكن مساءلته، بل سلطة بلا ملامح، لا تعيش إلا باستعارة أصوات الآخرين وأعمارهم.

بدأت المؤامرة خلف الكواليس، في ذلك الطقس السري للولادة القسرية. هناك طوقوا عنقي بهوية معلبة، وشدوا على تمزق قلبي راية فرضوا علي تقديسها، ولقنوني أناشيد جوفاء لا تعرف سوى صدى نفسها. ثم دفعوا بي إلى هذا المستنقع الضوئي مكبلًا بأغلال الولاء، وهم يهمسون في أذني بسخرية باردة: «مثّل حريتك بكل ما أوتيت من شغف، ولكن… إياك أن تصدقها».

وحين واجهت المرآة في غرفتي المغلقة، رأيت تاريخي يتبادل الوجوه. رأيت الطفولة وهي تروض على الطاعة، ورأيت الرجولة المكسورة تحترف التصفيق في العلن، ثم تبكي هزيمتها في السر، ورأيت الأصابع تغسل الدماء خشية أن توصم بالخيانة. ضحكوا طويلًا حين صدقت اللعبة، وصفقوا بحرارة حين انكسرت روحي، ثم صمتوا حين مت واقفًا، كالأشجار التي تأبى الانحناء.

آه يا ذاتي الممزقة! أي لحد يتسع لهذا الشتات بعد كل هذا التمثيل الطويل؟ وكيف لزهرة الحقيقة أن تضرب بجذورها في تربة تسمم وعيها بالرياء؟ ويا وطنًا ألهمني حروفه وتفاصيله، كم أحببتك! لكنهم حولوا ثراك إلى خشبة باهتة، وصاغوا لي دورًا يطالبني بقتلك باسم الانتماء.

أخيرًا، نفضت عن كاهلي عبء الأدوار المستعارة. لم أعد أبحث عن مقعد في مسرحيتهم، ولا عن ومضة ضوء تكرس زيفي؛ بل صرت أفتش عن باب يفضي إلى الحقيقة، ولو كان موصدًا بأصفاد من حديد. سأهدمه بصمتي؛ ففي زمن يجرّم الصوت الحر، قد يغدو الصمت آخر اللغات التي لم تتعلمها السلطة.

وفي زاوية المسرح المعتمة، لمحت شبحي، أو ربما جوهري الذي تركته في الكواليس قبل أول عرض. كان ينظر إلي بأسى يختزل انكسار الأجيال، ثم ابتسم ابتسامة واهنة، كأنها نجت من حريق بعيد، ومضى في العتمة. عندها أدركت أن النصوص التي يكتبها الآخرون قد تمنحنا أدوارًا، لكنها لا تمنحنا وجودًا.

أدرت ظهري للخشبة المتداعية، وتوجهت صوب الديجور البهيم. لم يكن ذهابي هروبًا، بل رحلة عودة إلى الرحم الأول… إلى تلك البقعة التي لا تبلغها نصوصهم، حيث تبدأ الحكاية لأول مرة، لا كما أرادوها أن تكون، بل كما يكتبها الإنسان حين يسترد صوته.
• يتبع… حين ينهار الهيكل بالكامل