هل وجود القطيع يعني غياب الوعي؟ أم أن القطيع يبدأ حين يتنازل الإنسان عن وعيه ويستبدل صوته الداخلي بضجيج الجماعة؟
ليس كل اجتماع بشري قطيعا، فالإنسان بطبيعته كائن اجتماعي يحتاج إلى الآخرين ويتعلم منهم ويعيش معهم بينما يتحول الجمع إلى قطيع حين تصبح الكثرة دليلا على الحقيقة وحين يخاف الفرد من السؤال حتى لا يبدو مختلفا فيكرر ما يسمعه ويقتنع بما يردده الجميع دون أن يختبره بعقله
القطيع لا يسلب الإنسان وعيه بالقوة ولكنه يمنحه راحة مؤقتة من عبء التفكير حيث داخل الجماعة يشعر الفرد بالأمان ولا يحتاج إلى اتخاذ موقف ولا إلى تحمل مسؤولية اختياره حيث يكفي أن يسير حيث يسير الآخرون وأن يغضب مما يغضبون منه وأن يصفق لما يصفقون له وهكذا يتحول الوعي من ممارسة حرة إلى صدى جماعي
الاشكالية الكبيرة مايفعله القطيع أنه يجعل الخطأ مألوفا فعندما يتكرر السلوك نفسه من عدد كبير من الناس يبدو طبيعيا حتى لو كان ظالما أو عبثيا وقد يدرك الفرد في داخله أن الطريق خاطئ لكنه يواصل السير لأن التوقف يحتاج إلى شجاعة والاختلاف له ثمن
ومع ذلك، لا يعني وجود القطيع أن الوعي قد اختفى تماما فقد يكون الوعي موجودا لكنه خائف أو كسول أو محاصَر بالرغبة في القبول وكثيرون يعرفون أنهم يتبعون غير أنهم يفضلون دفء الجماعة على وحشة السؤال
الوعي الحقيقي لا يعني رفض الناس ولا معارضة كل ما يقولونه وإنما يعني أن يكون الإنسان حاضرا في اختياراته وأن يتفق لأنه اقتنع وأن يرفض لأنه فكر وأن يغيّر موقفه حين يكتشف خطأه
القطيع ليس عددا من الناس يسيرون معا؛ إنه عدد من العقول توقفت عن السؤال وحين يستعيد الإنسان حقه في الشك والتفكير يخرج من القطيع حتى لو ظل واقفا في وسطه.