لم يكن الصمت يومًا غيابًا للصوت، بل امتلاءً بما تعجز اللغة عن حمله. لذلك وقفت في تلك العتمة السرمدية لا أبحث عن جواب، بل عن السؤال الذي يستحق أن يُعاش. هناك، حيث يتوارى الزمن خلف ظله، أدركت أن الإنسان لا يضل لأنه يجهل الحقيقة، بل لأنه يتعجل امتلاكها.
ظننت طويلًا أنني أفتش عن ذاتي، ثم اكتشفت أنني كنت أفتش عن الصورة التي نسجتها ذاكرتي لها. فالذاكرة لا تحفظ الماضي كما كان، وإنما تعيد تشكيله كلما تغير الحاضر. إنها لا تسترجع ما انقضى، بل تفاوضه من جديد، حتى يغدو ما نتذكره أقرب إلى تأويلٍ منه إلى واقعة.
ومن هنا بدأ العدم يتخذ معنى آخر. لم يعد نقيضًا للوجود، ولا هاويةً تبتلع الأشياء، بل الحد الذي يمنحها قيمتها. فما لا يزول لا يُشتاق إليه، وما لا يفنى لا يحتاج إلى معنى. لعل هشاشتنا ليست لعنة، بل الشرط الأول لكل قيمة؛ فالوردة لا تفتننا لأنها باقية، بل لأنها تمضي.
غير أن العقل، كلما اقترب من اليقين، اكتشف أن اليقين نفسه يتحول إلى سؤال. ليست المعرفة سلّمًا نصعده حتى نهايته، بل أفقًا يبتعد كلما تقدمنا نحوه. لذلك لا يعيش الفكر بالإجابات، وإنما بالقدرة على مراجعة أجوبته.
وهنا تكمن المفارقة: لسنا أسرى الجهل، بل أسرى أوهام الاكتمال. وما أكثر العقول التي توقفت عن التفكير لأنها أقنعت نفسها بأنها وصلت. أما السؤال الصادق، فلا يمنح صاحبه الطمأنينة، بل يمنحه يقظةً لا تنطفئ.
«إني لا أكتب إلى الصمت لأكسر سكونه، بل أكتب كي لا يتحول صمتي إلى يقين. فما أخشاه ليس أن أجهل الحقيقة، بل أن أظن أنني امتلكتها.»
وربما يجمعنا المعاد يومًا… لا لنكشف السر الأخير، بل لنعرف أن السر لم يكن شيئًا يُمتلك، وإنما أفقًا يدعونا إلى السير. عندها سنبتسم؛ لا لأننا وجدنا الجواب النهائي، بل لأننا أدركنا أن السؤال لم يكن عجز العقل، بل طريقه الوحيد إلى الحياة.