يتفق علماء الاجتماع والإدارة على أنه ليس كل فشلٍ تنظيمي مردّه ضعفُ التخطيط أو نقصُ الموارد، بل في كثير من الأحيان تتهاوى المشاريع الكبرى لأنها أخطأت قراءة الأرض التي نبتت فيها. فالفكر التنظيمي -مهما بلغ من الدقة والحداثة- لا يعيش في الفراغ؛ إنه يتحرك داخل منظومة من القيم، والرموز، والتمثلات الاجتماعية، وأنماط السلطة، والعادات اليومية. ولذلك فإن أي نموذج تنظيمي يُستورد دون أن يتفاعل مع البنية الثقافية (Structure culturelle) للمجتمع الذي يُمارس فيه، لا يعدو أن يكون جسدًا بلا روح أو مؤسسةً بلا شرعية.
من منظورنا النقدي في الدراسات الثقافية (Cultural Studies)، لا تُختزل المؤسسة في قوانينها ولوائحها، وإنما تُفهم بوصفها فضاءً لإنتاج المعاني وإعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية. فالثقافة ليست عنصرًا ثانويًا يضاف إلى التنظيم بعد اكتماله، بل هي الإطار المرجعي الذي يمنح التنظيم قابليته للاستمرار أو يدفعه نحو التفكك. لهذا، فإن نقل نموذج إداري ناجح من بيئة إلى أخرى، دون مراعاة الخصوصية الثقافية (Spécificité culturelle)، يشبه نقل شجرة مكتملة الجذور إلى تربة مغايرة ثم انتظارها أن تثمر بالطريقة نفسها.
إن أكبر أوهام الحداثة الإدارية -يا سادة- يتمثل في الاعتقاد بأن النماذج التنظيمية ذات صلاحية كونية. نقول ذلك ونحن نلاحظ بجلاء الواقع وهو يكشف أن المؤسسات لا تفشل بسبب ضعف النصوص، بل بسبب فجوة المعنى (Écart de sens) بين ما تقوله اللوائح وما يؤمن به الناس. فحين تتعارض الثقافة التنظيمية (Culture organisationnelle) مع الثقافة المجتمعية، تتحول القوانين إلى إجراءات شكلية، وتغدو قيم الكفاءة والشفافية والمساءلة مجرد شعارات تُرفع في الخطابات، بينما تُدار الممارسات بمنطق الأعراف غير المعلنة.
أخيرا، دعوني أقول بأن السلطة الثقافية (Pouvoir culturel) أقوى في كثير من الأحيان من السلطة القانونية، لأنها تتسلل إلى السلوك اليومي دون إكراه مباشر. والإصلاح الحقيقي لا يبدأ بإعادة هندسة الهياكل (Réingénierie organisationnelle)، بل بإعادة بناء الوعي الجمعي، وصياغة منظومة قيم تجعل التنظيم امتدادًا طبيعيًا للمجتمع لا جسمًا غريبًا عنه. والحق أن المجتمعات التي ستنجح في القرن القادم ليست تلك التي تستورد أكثر النماذج تطورًا، بل تلك التي تمتلك القدرة على إنتاج فكر تنظيمي أصيل (Innovation organisationnelle endogène)، يستوعب التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي، دون أن يقطع صلته بذاكرته الثقافية. فالتنظيم الذي يفقد جذوره الثقافية قد يحقق نجاحًا مؤقتًا، لكنه يعجز عن بناء حضارة مؤسسية مستدامة. أما التنظيم الذي يولد من رحم الثقافة، فإنه لا يكتفي بإدارة المجتمع، بل يصبح أحد أهم أدوات تجديده وصناعة مستقبله. وقد بلّغنا، فاشهدوا.
