أيها القابع في تجاويف الصمت، يا من رقدت بين أضلاع الدهر كنقطةٍ غافلة في متن المجهول؛ أبث إليك هذه التمتمات من فجرٍ انطفأ قبل أن يكتمل إشراقه، ومن ليلٍ سرمدي أثقله سؤال الوجود فلم يعرف للنوم سبيلًا. لا أدري أأكتب إليك، أم إلى ذلك الصمت الذي يسكننا منذ الولادة، ويكبر معنا كلما حسبنا أننا اقتربنا من الحقيقة.
هنا، في هذه البقعة المتاخمة للغيب، حيث لا تعدو الأصوات سوى رجعٍ لأسئلةٍ لم تجد بعدُ من يُحسن الإصغاء إليها، وحيث يتدلى الزمان من سقف الإدراك كغصنٍ أنهكه الانتظار، أفتش عن كينونتي كما يفتش السراب عن ظمئه الخاص. وكلما ظننت أنني أمسكت بطرف ذاتي، انفرطت بين يدي كحبات ضوءٍ تتبدد عند أول مصافحةٍ للعتمة، فلا أعود إلى نفسي إلا كظلٍ يتسكع في أزقة غيابه، يعرف الطريق إلى المنازل، لكنه يجهل الطريق إلى صاحبه.
لقد أدركت متأخرًا أن الإنسان لا يضل لأنه فقد الطريق، بل لأنه توهم أن الطريق مستقيم. وما الوجود إلا متاهةٌ لا تعاقبنا بالتيه، وإنما تعاقبنا باليقين الزائف؛ فكل يقينٍ يتجمد يتحول مع الزمن إلى قفص، وكل سؤالٍ صادق يظل نافذةً مفتوحة على أفقٍ لا ينتهي.
تجليات العقل ومكائد الذاكرة
لعل الوعي ليس إلا قبسًا ضئيلًا يشتعل في عتمة الغفلة، ثم يتراجع كلما تمدد المجهول في أفق الإدراك. إنه لا يبدد الظلام كما نتوهم، بل يمنحنا القدرة على رؤيته. ولذلك يزداد الإنسان حيرةً كلما ازداد وعيًا؛ لأن المعرفة لا تقلص مساحة المجهول، بل تكشف اتساعه.
أما العقل، فليس سلطانًا مطلقًا كما يظن بعضهم، ولا سجينًا عاجزًا كما يتوهم آخرون، بل هو مسافر يحمل مصباحًا صغيرًا في صحراءٍ لا تنتهي. كل خطوةٍ يضيئها تكشف له أن ما لم يره أعظم بكثير مما رآه، فيتعلم التواضع قبل أن يتعلم الحكمة.
ولعل العدم ليس نقيض الوجود كما اعتدنا أن نسميه، بل ذلك الحد الذي تتوقف عنده اللغة، فتبدأ التأويلات. إنه ليس فراغًا بالضرورة، بل اسمٌ نمنحه لكل ما استعصى على وعينا، حتى لا نعترف بعجزنا عن الإحاطة.
وأما الذاكرة، فهي أكثر أعضاء الروح مكرًا؛ لا تحفظ الماضي كما وقع، بل كما استطاعت النفس احتماله. تمحو ما يعجز القلب عن حمله، وتضيف إلى الوقائع من خيالها ما يجعلها قابلةً للسكن. لذلك كثيرًا ما نبكي على ذكرياتٍ لم تحدث بالصورة التي نتذكرها، ونفرح بأيامٍ لم تكن سعيدة إلا بعد أن أعادت الذاكرة ترتيبها.
أولم يخطر ببالك أن ما نسميه “ذكرى” ليس سوى اتفاقٍ هش بين النسيان والخيال؟ وأن أعمارنا ليست ما عشناه فعلًا، بل ما بقي فينا بعد أن عبر كل شيء؟
مأساة المعرفة والسراب الأكبر
يقف العقل أمام الوجود كمسافرٍ يحدق في بحرٍ بلا ضفاف؛ كلما اقترب من الأفق، ابتعد عنه الأفق أكثر. ليست المأساة في جهل الحقيقة، بل في اعتقاد امتلاكها؛ فاليقين المطلق كثيرًا ما يكون آخر أقنعة الوهم.
نحاول الإمساك بالحقيقة، فتنسل من بين أصابعنا كما ينسل الماء من الكف. وما إن نستقر على جواب حتى يوقظ فينا سؤالًا أشد عمقًا، وكأن الحقيقة لا تكافئ من يصل إليها، بل من يظل قادرًا على ملاحقتها دون أن يدعي امتلاكها.
لقد شُغف الإنسان بالأجوبة أكثر من الأسئلة، مع أن الحضارات لم تتقدم بفضل من امتلكوا الإجابات، بل بفضل أولئك الذين امتلكوا شجاعة الشك. فالشك ليس خصم اليقين، بل ميزانه؛ لأنه يحرس العقل من عبادة أفكاره، ويمنعه من تحويل آرائه إلى أصنامٍ جديدة.
ولعل أعظم سرابٍ في هذا العالم أن الإنسان يظن أنه يرى الأشياء كما هي، بينما لا يرى في الغالب إلا انعكاس ذاته عليها. فالعالم ليس مرآةً للحقيقة بقدر ما هو مرآةٌ لوعينا، وكلما تغيّر وعينا، تغيّر العالم في أعيننا، وإن بقي على حاله.
وصية الرماد والمصير
إنني لا أكتب إليك، بل أستلني من ركام الذات وأعيد صياغتي بالكلمات. فالكتابة ليست حبرًا يُسكب على الورق، بل محاولةٌ لإنقاذ ما يتسرب من الروح قبل أن يبتلعه النسيان. نحن لا نكتب لأننا نعرف، بل لأننا نخشى أن تضيع الأسئلة في صخب الأيام.
وربما لهذا السبب يظل الكاتب أكثر الناس وحدة؛ لأنه يقيم بين عالمين: عالمٍ لا يرضيه كما هو، وعالمٍ لم يولد بعد إلا في مخيلته. إنه يكتب ليبني جسرًا بين الممكن والمستحيل، ثم يعبره وحده.
قد نلتقي يومًا… لا في زحام الأشكال، ولا تحت أسماءٍ تتبدل بتبدل الأزمنة، بل في لحظة صفاءٍ يسقط فيها القناع الأخير، ويصبح الصمت أبلغ من اللغة، والحدس أصدق من البرهان، والحضور أعمق من كل تعريف.
وحينها، لن نضحك لأننا بلغنا الحقيقة، ولا لأننا فككنا ألغاز الوجود، بل لأننا سنكتشف أن الوجود لم يكن يطلب منا أن نمتلك الحقيقة، بل أن نحسن الإصغاء إليها. وسندرك أن أعظم الحكمة ليست في أن نجد الجواب الأخير، وإنما في أن نبقى أوفياء لذلك السؤال الأول الذي أيقظ فينا دهشة الكينونة، وجعل من الرحلة غايةً، لا مجرد طريق إلى نهاية.
