كيف لنا أن ندوس علوم الاجتماع والعلوم الإنسانية ونريد مجتمعا واعيا؟ كيف نطالب الإنسان بفهم واقعه ونحن نقلل من قيمة العلوم التي تدرس هذا الإنسان وتحلل سلوكه وتفكك علاقاته وتكشف أسباب أزماته؟ يبدو هذا التناقض واحدا من أكثر تناقضات مجتمعاتنا قسوة؛ نرفع شعارات الوعي والتقدم ثم نهدم الأدوات التي يمكنها إنتاج هذا الوعي
لا يولد المجتمع الواعي من الخطب الأخلاقية ولا يُبنى بكثرة الشعارات والاحتفالات والمواعظ.. الوعي نتيجة معرفة متراكمة بالإنسان وتاريخه وثقافته ومؤسساته وعلاقاته الاجتماعية وهذه المعرفة هي المجال الذي تتحرك فيه علوم الاجتماع والعلوم الإنسانية.. فعلم الاجتماع لا يكتفي بوصف المجتمع وإنما يحاول فهم البنى الخفية التي توجهه، من سلطة وعائلة ومدرسة وإعلام ودين واقتصاد.. وعلم النفس يدرس ما يحدث داخل الإنسان من خوف ورغبة وقلق وعنف وشعور بالنقص، أما الفلسفة فتمنح العقل القدرة على السؤال والنقد والتمييز بين الحقيقة والوهم، فيما يكشف التاريخ كيف تشكل الحاضر ويحذرنا من تكرار أخطاء الماضي
حين تُهمش هذه العلوم يصبح المجتمع عاجزا عن فهم نفسه وتتحول البطالة إلى قدر والعنف إلى طبيعة بشرية والفشل التربوي إلى ضعف فردي والتهميش إلى سوء حظ والفساد إلى انحراف أخلاقي معزول.. تغيب الأسئلة المرتبطة بالبنية والمؤسسات والتاريخ ويُختزل كل شيء في لوم الأفراد وهكذا يفقد المجتمع قدرته على تشخيص أمراضه ويكتفي بتوبيخ ضحاياه
إن احتقار العلوم الإنسانية لا يعني احتقار تخصصات جامعية فحسب وإنما يعني احتقار الإنسان نفسه بوصفه كائنا معقدا تحكمه الذاكرة والرموز والقيم والمصالح والظروف الاجتماعية عندما ننظر إلى الإنسان كرقم في الإدارة أو يد عاملة في الاقتصاد أو صوت في الانتخابات فإننا نختزل وجوده ونسلبه عمقه، وحين يغيب فهم الإنسان تصبح مشاريع التنمية مجرد إسمنت وطرقات ومبانٍ بينما يظل العقل مهملا وتظل العلاقات الاجتماعية متصدعة ويظل الشعور بالانتماء هشا
لقد استطاعت المجتمعات التي تقدمت ادراك أن التقنية وحدها لا تصنع الحضارة حيث يمكن للدولة أن تبني المصانع والجامعات والمستشفيات لكنها لن تبني مجتمعا متوازنا ما لم تفهم ثقافته وتناقضاته ومخاوفه، وقد نمتلك أحدث وسائل الاتصال لكننا نستعملها لنشر الكراهية والإشاعة إذا غاب الوعي النقدي وقد نؤسس آلاف المدارس غير أن التعليم يتحول إلى حفظ وطاعة إذا لم تسنده فلسفة تربوية تحرر العقل وتعلمه السؤال
المفارقة في أننا نلجأ إلى العلوم الإنسانية بعد وقوع الكارثة ونستدعي علماء الاجتماع بعد انتشار العنف ونبحث عن علماء النفس بعد تفكك الأسر ونتحدث عن الفلسفة بعد انتشار التطرف ونسأل عن دور الثقافة بعد أن تبتلع السطحية المجال العام وبعدها نريد من هذه العلوم أن تعالج في أيام ما أهملناه سنوات ونتعامل معها كإسعاف متأخر مع أنها كان ينبغي أن تكون جزءا من الوقاية وصناعة القرار
إن تهميش علم الاجتماع غالبا ما يرتبط بالخوف من السؤال؛ لأنه لا يكتفي بوصف الظواهر وإنما يبحث عن أسبابها وعن الجهات المستفيدة من استمرارها.. يسأل عن توزيع الثروة وعن علاقة التعليم بالطبقة الاجتماعية وعن صناعة الرأي العام وعن اليات الإقصاء والهيمنة.. لهذا يبدو مزعجا لمن يريد مجتمعا يطيع ولا يفكر وكذلك الفلسفة فهي لا تمنح أجوبة جاهزة وإنما تدرب الإنسان على الشك المنهجي وعلى مساءلة الأفكار التي قُدمت له بوصفها حقائق نهائية
المجتمع الواعي ليس مجتمعا يحفظ المعلومات وإنما مجتمع يعرف كيف يفكر فيها- فالوعي ليس كثرة الكلام عن القيم ولكنه القدرة على اكتشاف المسافة بين القيم المعلنة والممارسات الواقعية- قد نتحدث عن العدالة فيما تقوم علاقاتنا على المحاباة ونتغنى بالحرية فيما نرفض الرأي المختلف ونحتفي بالعلم فيما نهين الباحث ونسخر من المعرفة التي لا تنتج ربحا سريعا وهنا تتجلى وظيفة العلوم الإنسانية- إنها تكشف هذا الانفصال بين ما نقوله وما نفعله
ولا يمكن للسياسة أن تكون عقلانية من دون معرفة اجتماعية دقيقة حيث أن القرارات التي لا تفهم المجتمع تتحول إلى قرارات فوقية وقد تنتج نتائج عكسية مهما بدت نواياها حسنة.. إصلاح التعليم يحتاج إلى فهم التلميذ والأسرة والبيئة واللغة والثقافة ومكافحة الجريمة تحتاج إلى دراسة الفقر والتهميش والمدينة والعلاقات العائلية ومعالجة التطرف تحتاج إلى فهم الهوية والاغتراب والشعور بالإهانة وطرق صناعة الخطاب، أما الاكتفاء بالعقاب أو الوعظ فإنه يعالج المظهر ويترك الجذور قائمة
إن المجتمع الذي يحتقر علماءه ومفكريه يفتح المجال أمام تجار الوهم فحين يتراجع صوت الباحث يرتفع صوت المشعوذ وحين يغيب التحليل تنتشر المؤامرة وحين تُحاصر الفلسفة تحتل الخرافة مساحة العقل لأن الفراغ المعرفي لا يبقى فارغا حيث تملؤه الإشاعة والأحكام السريعة والتفسيرات المريحة التي تعفي المجتمع من مواجهة ذاته،
ولا يعني الدفاع عن العلوم الإنسانية اعتبارها معارف معصومة أو مكتملة فهي بدورها تحتاج إلى نقد وتجديد واتصال مباشر بالمجتمع كما يتوجب عليها أن تخرج من اللغة الجامعية المغلقة وأن تقترب من مشكلات الناس وأن تحول نتائج أبحاثها إلى معرفة قابلة للنقاش والاستعمال.. كما ينبغي للجامعة ألا تكون مخزنا للرسائل والشهادات وإنما فضاء لإنتاج أسئلة حقيقية تساهم في فهم الواقع وتغييره
إن بناء مجتمع واعٍ يبدأ من إعادة الاعتبار للإنسان موضوعا للمعرفة وللسؤال حقا وللنقد ضرورة.. يبدأ حين ندرك أن عالم الاجتماع ليس موظفا زائدا وأن الفيلسوف ليس شخصا يعيش خارج الواقع وأن المؤرخ لا يروي حكايات انتهت وأن الأدب ليس ترفا لغويا بينما كل هؤلاء يساهمون في تشكيل الصورة التي يرى المجتمع من خلالها نفسه
فكيف لنا بعد ذلك أن ندوس علوم الاجتماع والعلوم الإنسانية ونريد مجتمعا واعيا؟ لا يمكننا أن نهدم أدوات الفهم ثم نشكو من انتشار الجهل ولا أن نحاصر السؤال ثم ننتظر عقلا نقديا ولا أن نختزل الإنسان ثم نطالب بمجتمع إنساني.. فالوعي لا يُستورد ولا يُفرض بقرار إداري ولا ينمو في بيئة تحتقر الفكر- إنه يُبنى بالتربية والبحث والنقد والحرية ويبدأ لحظة يجرؤ المجتمع على أن يجعل من نفسه موضوعا للسؤال.
نتمنى محتمعاً واعياً ونحن نحتقر علوم الاجتماع والعلوم الإنسانية!! … بقلم خليفة عبد السلام
IMG 20260727 125825 (1)
