منذُ الضجّة الإعلامية التي أثارتها رواية (حُوريات) للروائي الفرانكو-جزائري “كمال داود”، والذي استعاد فيها وقائعَ العشرية السوداء، عاد النقاشُ مُجدّدا حول الرّواية والمأساة الوطنية، لكن هذه المرّة بتوقيع مُختلف، يُمكن صياغته من خلال التساؤل التالي: هل أصبحت الكتابةُ عن الأزمة الأمنية في تسعينيات القرن الماضي من القضايا المسكوت عنها؟
صحيح أنّ النقاش للأسف اتّخذ منحى المُحاكمات الشخصية ضد الروائي، خاصة عندما دخلت على الخط الشابة الجزائرية التي ادّعت في لقائها المُتلفز، بأنّ الروائي قد استولى على قصّة حياتها، وقد استعرضت جملة من القرائن التي اعتبرتها أدلة دامغة عن عملية السطو، لاسيما ما تعلّق بنجاتها من عملية الذبح، مما ترك على رقبتها الأثر نفسه الذي حملته شخصية الرواية.
يُمكن أن نتخذ من هذه الواقعة عتبة لإعادة النقاش الأدبي إلى مساره الطبيعي بعيداً عن المعارك الفايسبوكية التي أجهزت على الجدران الفاصلة بين الواقع والخيال، لنعيد طرح الأسئلة حول علاقة السرد الروائي بالمأساة الوطنية، وهل مازال النقاش اليوم ممكناً لتحليل التجربة السردية التي كُتبت في زمن الموت وعنه بعيدا عن التجاذبات الإيديولوجية؟
من الكُتب المهمة التي صدرت مؤخراً، كتاب (رواية الأزمة وإشكالياتها النظرية) للناقد والأستاذ الجامعي “اليامين بن تومي” الذي صدر عن منشورات (دار خيال) بالجزائر عام 2024م.
في هذا الكتاب، يناقش “بن تومي” ما أطلق عليه بـ “رواية الأزمة”، انطلاقاً من تفكيك علاقة الأزمة السياسية والاجتماعية بإنتاج سردية روائية مُختلفة، عبّرت عن عنف المرحلة، لكنّها تعرّضت للأحكام القاسية، بعد أن وُصفت بالرواية الاستعجالية؛ فالرواية التسعينية، التي هي عند قطاع كبير من الكتّاب رواية استعجالية لأنّها لم تستوف الشروط الجمالية للرواية، ظلّت هدفاً للقراءات السطحية التي اكتفت بإطلاق الأحكام، متجنبة تحليلها على ضوء العوامل المادية التي أوجدتها.
وهنا تكمن أهمية كتاب “بن تومي” في الدفاع عن هذه الرواية، بوصفها تجربة روائية جزائرية خالصة، والرد على الآراء التي نمذجتها في صورة رواية تقريرية لم تقدم إضافة جمالية للرواية الجزائرية.
رواية الأزمة:
اختار “بن تومي” مصطلح “رواية الأزمة” كبديل لمصطلح “الرواية الاستعجالية”، لأنّ المصطلح الأخير يكتنز طاقة دلالية سلبية تضع النص الروائي التسعيني في دائرة الاتهام؛ في وقت أنّ ما يبدو مستعجلاً هو تحليل علاقة هذه الرواية بمختلف الأزمات التي عصفت بالمجتمع الجزائري، منذ أكتوبر 1988.
فما معنى الأزمة؟
كتب الفيلسوف الفرنسي “إدغار موران”: «الأزمة تنامي الفوضى وغياب اليقين ضمن نظام ما»، وهي تعني في أصلها اليوناني “القرار”، أما اليوم فتعني “التردد”، وهي اللحظة التي يظهر فيها غياب اليقين بالتزامن مع اضطراب ما.
في مدخل الكتاب، وضّح “بن تومي” تصوّره لمفهوم “الأزمة”، مؤكّدا أنّ الأزمة التي سيتحدث عنها هي التي تسكن الإنسان الجزائري، وتلك التي تسكن نصوصه الإبداعية؛ إذ أنّ الأزمة المقصودة هي التي خرجت من رحم تجربة العنف، متسائلاً: هل العنف مجرد حالة مرحلية أم ظاهرة متجذرة في ماهية وجودنا الجمعي والفردي؟
إذ لابد من الانتباه إلى معطى أساسي وهو علاقة الرواية كإبداع أدبي بالعنف السياسي والاجتماعي، وهل يؤثّر على بنية الشكل الروائي؟
ما يقترحه علينا المؤلّف، عبر هذه المداخل الإشكالية، هو أنّ تجربة العنف الدموي في الجزائر أحدثت زلزالاً في الوعي الأدبي، إبداعاً وتلقياً، انعكس على طبيعة التجربة الروائية التي ظهرت إبان مرحلة الإرهاب، كتجربة جديدة، حملت على عاتقها أوزار المرحلة، لا من جهة قتامة المشهد السياسي والأمني، لكن أيضا من جهة موقف المؤسسة الأدبية منها؛ وسيكشف بن تومي عبر فصول هذا الكتاب عن الإشكاليات النظرية والنقدية التي طرحتها هذه التجربة الروائية، بدءا من طبيعة المصطلح الذي ظل لصيقا بها، وصولاً إلى تلقي النصوص ومدى الاعتراف المؤسساتي بها.
يؤكد بن تومي أنّ رواية الأزمة هي رواية جديدة في تعلقها بمناخ سياسي واجتماعي وثقافي طارئ في الجزائر؛ إنه يدعو إلى التفكير في طبيعة هذه التجربة السردية، في علاقتها بتحولات المجتمع الجزائري، وعلاقتها بفضاء المدينة، وعلاقتها بالسلطة السياسية.
لا تمتلك الرواية شكلا فنيا واحدا، كما أنها لا تخضع إلى نفس القانون الجمالي؛ فهي منذ لحظة نشأتها ظلّت الفن الذي لا يتوقف عن التطوّر. فعندما ظهرت كان العالم يعيش انقلابات كُبرى أفضت إلى ميلاد الأزمنة الحديثة، وإلى ولادة الإنسان الحديث.
الرواية، يقول بن تومي مستندا في ذلك إلى المرجعيات النظرية الكبرى، ابنة الأزمنة الحديثة في حركتها وقلقها وأزماتها التي تكاثرت باتساع مساحة الحياة الاجتماعية وتشعبها وتعقدها، لهذا فإنّ علاقتها بفضاء المدينة تأسيسية بالأساس، لأنّ هذه الأخيرة هي فضاء للتعدد وللاختلاف وللعابر.
من هنا، تساءل بن تومي: هل يُمكن العثور على أصول مدينية لنشأة الرواية في الجزائر؟
قد يبدو السؤال عارضاً في ظاهره، لكنه جوهري إذا ما نظرنا إلى علاقة الأزمة بفضاء المدينة، إذ تبدو هذه الأخيرة أصل أزمات الإنسان الحديث والمعاصر؛ لنتحدث عن سؤال الديموقراطية كسؤال ينتمي إلى هذا الفضاء، مما حوّل المدينة تاريخيا إلى مساحة للطبقات الاجتماعية وللحركات الأيديولوجية في صراعاتها الأزلية.
في ظل عنف الواقع ودمويته، كان هاجس الرواية التسعينية، وربما من هنا استمدت اسمها بوصفها رواية الأزمة، القبض على اللحظة التاريخية في عنفها ودمويتها، دون إهمال للرؤية الشمولية التي تميز الأدب عن التاريخ، لذا كان السؤال الجوهري الآخر الذي طرحه بن تومي هو: ما هو الشكل الروائي للأزمة؟ كيف تمثلت الرواية الجزائرية الأزمة الأمنية؟ وهل كان وعيها في مستوى إدراك أزمتها الداخلية؟
من وجهة نظر بن تومي، فحجم المأساة وخطورتها كانت تغطي على الخيارات الشكلية، إذ حاول الروائيون نقل الوقائع، كأولوية، من جهة التأريخ لها بمعناه الحرفي، لكن بالاعتماد على الأسلوب التقريري.
ما سيمثل سمة أسلوبية في الرواية التسعينية ستتحول إلى صفة سلبية في نظر بعض الكتّاب الذين حكموا عليها بالاستعجالية، وبأنها لا ترقى إلى الرواية الناضجة فنيا.
وصف بن تومي رواية الأزمة بالرواية الجديدة، لأنها تحدثت عن واقع جديد وغير مسبوق، فرض دفعا قويا للكتابة، ورأى بأن هذه الرواية لم تهتم بجوهر الإنسان وإنما بالأشياء التي تصنع هذا الجوهر.
غير أنّ اعتبار بن تومي رواية الأزمة بأنها رواية تجريبية، وفي الوقت نفسه يقول بأنّها تنطلق من الواقعـ حيث تكاد تكون صورة فوتوغرافية أو تسجيلية عن ذلك الواقع، يطرح تساؤلا عن علاقة التجريب مع الطابع التقريري في هذه الرواية؟ أليس التجريب هو العودة إلى لعبة الأشكال الفنية، بهدف العثور على الشكل الفني الذي يعبّر عن ذلك الواقع المأزوم؟ ألا يشكل هذا المفهوم في ذاته أحد أوجه أزمة الوعي النقدي في محاولة غير مقنعة لنمذجة الرواية التسعينية في قالب الرواية التجريبية؟
قدم بن تومي عددا من التعريفات لرواية الأزمة، وكل تعريف يركز على سمة فنية أو موضوعاتية في هذه الرواية.
أولا، هي رواية عن العنف، هي رواية متمردة على التقاليد الأدبية، هي رواية الهامش والمهمشين الذين لا صوت لهم، هي الرواية التي استنطقت القبح…إلخ
ثانيا: طرحت رواية الأزمة معضلة الشكل الروائي وعلاقته بالظروف السياسية والاجتماعية؛ وهنا طرح بن تومي سؤالا مهما عن سبب غياب مداخل معرفية في النقد الجزائري تؤسس لنظرية في التاريخ الاجتماعي للأشكال الأدبية، وتأثير الظروف السياسية والاجتماعية في سيادة شكل فني أو في تحوله.
ثالثا: يرى بن تومي بأنّ رواية الأزمة هي رواية “تجريبية”؛ أي الرواية التي كسرت آفاق الانتظار عند القارئ الذي تشكل وعيه الأدبي داخل تقاليد أدبية سائدة. لهذا فإن اعتراض بعض الكتّاب على هذه الرواية، أمثال الطاهر وطار، كان سببه أنّهم رفضوا المساس بهذه التقاليد الأدبية.
رابعا: عملت هذه الرواية على طرد المأساوي من ساحة الأدب، وتطهير الجماعة الوطنية من خزان العنف والأمراض التاريخية التي أنتجتها السلطة.
إنّ إنكار هذه التجربة الروائية هو ضرب من الإهمال المعرفي بتعبير بن تومي، ولعل هذا ما يفسر الهجوم النقدي على هذه الروايات، وعزوف النقاد عن قراءتها بعيدا عن الأحكام المسبقة.
بدا بن تومي مدافعاً شرسا على رواية الأزمة التي لم تكن في نظره استعجالية في الصورة التي تم الترويج لها إعلاميا ونقديا، بل هي نصوص ذات جمالية خاصة ومختلفة، بل ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، وهي أنها تمثل تجربة سردية جزائرية صرفة.