لكي ندخل في صلب الموضوع ونثبت كيف تحوّل جزء من الفن الحديث إلى “أكذوبة” صدّقناها لأن من سبَقَنا كذبوها علينا ، دعونا نسرد أولاً بعض المفاهيم الفنية ببساطة
الفن التشكيلي ليس ألغازاً معقدة ولا مجرد لوحات معلقة في المتاحف, بل هو طريقة للتعبير عن المشاعر والأفكار أو الواقع باستخدام الألوان والأشكال والخطوط. وسمي تشكيلياً لأن الفنان يشكّل المادة سواء كانت ألواناً على قماش، أو طيناً، أو حجراً ليعيد خلق شيء جديد تماماً.
تخيل أن الفن التشكيلي مثل “اللغات”، وكل مدرسية فنية هي مجرد لغة معينة، وليس علينا معرفة كل لغات العالم لنستمتع بها لهذا يميل المتلقي عادةً إلى المدرسة التي يفهمها ويستوعبها
جولة سريعة في أشهر المدارس الفنية
المدرسة الواقعية هي كاميرا بفرشاة ,تنقل الطبيعة والحياة اليومية كما هي بالضبط دون تجميل. إذا رأيت لوحة لشخص أو منظر طبيعي وتبدو كأنها صورة فوتوغرافية دقيقة، فأنت أمام الفن الواقعي الذي يهدف لتوثيق الحقيقة.
المدرسة الانطباعية أو التأثرية هي لعبة الضوء واللحظة
لم يعد هنا الفنان يهتم بالتفاصيل الدقيقة، بل التقاط انطباع اللحظة الخاطفة وتأثير الضوء عليها. ضربات الفرشاة هنا سريعة، وإذا اقتربت جداً ستراها مجرد بقع ألوان، لكن إذا ابتعدت خطوتين ستجمع عينك المشهد كاملاً. من أشهر روادها كلود مونيه، وفان جوخ.
المدرسة التعبيرية, المشاعر أولا
لا يهتم الفنان هنا نقل العالم الخارجي، بل صب مشاعره الداخلية (خوف، حزن، فرح، قلق) على اللوحة. الألوان قد تكون غريبة والوجوه مشوهة قليلاً، لأن الهدف هو إشعالك بالمشاعر وليس الجمال البصري المجرد.أشهر أمثلتها لوحة “الصرخة” لإدوارد مونك.
المدرسة التكعيبية وهي تفكيك العالم
وهي النظر للشيء من كل الزوايا في نفس الوقت وتقطيعه إلى أشكال هندسية. لو أراد الفنان رسم وجه، قد يرسم الأنف من الجانب والعينين من الأمام ومن أشهر روادها الفنان الاسباني بابلو بيكاسو.
وهنا بَدَأَت أكذوبة الفن الحديث حسب رأيي كناقد تشكيلي.
المدرسة السريالية عالم الأحلام
الرسم المستوحى من الأحلام والعقل الباطن. العناصر مرسومة بدقة، لكن تجميعها معاً غير منطقي أبداً مثل ساعات تذوب على أغصان الأشجار. أشهر روادها الفنان الاسباني سالفادور دالي.
.
المدرسة التجريدية ,الموسيقى المرئية. في اللوحة التجريديه هو
التخلي تماماً عن رسم أي شيء معروف في الواقع لا وجوه ولا بيوت ولا اشجار ، بل مجرد خطوط وأشكال وألوان. تماماً كالموسيقى عندما تستمع إلى معزوفة بلا كلمات، فأنت تستمتع باللحن الذي يشعرك بالهدوء أو الحماس. التجريد هو موسيقى ترى بالعين، وهنا أصبحت الأكذوبة رسمية وقابلة للتسويق.
في عام 2019، شهد الوسط الفني حادثة أثارت موجة عارمة من السخرية حيث بيعت ثمرة موزة مثبتة على جدار بـ شريط لاصق في معرض فني شهير بمبلغ يتجاوز 120 ألف دولار
لم تكن هذه الحادثة مجرد مزحة عابرة، بل كانت تجسيداً صارخاً للواقع الذي آل إليه الفن المعاصر، والذي دفع الكثيرين للتساؤل بصراحة هل نعيش بالفعل أسطورة أكذوبة الفن الحديث.
التساؤل الحقيقي اليوم ليس حول تجديد أدوات التعبير، بل حول أزمة المعيار المهاري والفلسفي التي تهيمن على المشهد قديماً، كان الميزان الأساسي هو المهارة والتمكن بهدف خلق الجمال, فالفنان التجريدي الحقيقي مثل كاندينسكي أو موندريان قضى سنوات طويلة يتقن الرسم الأكاديمي أولاً قبل أن يتجه لتبسيط الأشكال. أما اليوم، فقد تحول التقييم إلى من يقدم فكرة أكثر غرابة وصدمة.
وهذا الشي فتح الباب أمام أدعاء يقدمون أعمالاً تافهة وليس بها من المهارة شي كوضع دلو ماء في منتصف القاعة أو إلقاء بقع ألوان عشوائية في دقائق تحت مسمى لفن المفاهيمي مستغلين التجريد والغموض كستار يخفي ضعف المهارة. ويدخل شي اخر وهو تجارة الفن وسلطة رأس المال
لم يعد تقييم اللوحة خاضعاً لقيمتها الجمالية أو أثرها الوجداني، بل أصبحت تحكمه المضاربات المالية وسوق الفن التجاري.
تُسوَّق أعمال هزيلة وتُباع بأسعار خيالية لأنها تحولت إلى وسيلة لتشفير الثروات أو التهرب الضريبي. وعندما تتفق بيوت المزادات وأصحاب قاعات العرض على إعطاء قيمة مالية لعمل مبهم، تُصنع لها قيمة وهمية لا علاقة لها بالجودة.
اما الترهيب الفكري للمتلقي يلعب دورا كبيرا باعطاء عدم المصداقية للاعمال الفنية قعندما يقف المتلقي بصدق امام عمل لا يعرض الا بقعا عشوائية ويقول انا لا ارى هنا فنا ولا مهارة يتم احباطه بتعال عبر مقولات مثل انت لا تمتلك الثقافة الكافية لفهم الفن المعاصر هذا الترهيب يذكرنا بقصة ثياب الامبراطور الجديدة حيث يتظاهر الجميع بوجود الثياب خوفا من اظهار جهلهم حتى يصرح طفل بصوت عال لكن الملك عاري.
صمت النقاد وتواطؤ المتاحف هذا اخطر شيْ ,كان يفترض بالمتاحف والنقاد والمؤسسات أن يلعبوا دور الحارس والمقيم لجودة الفن. والسؤال هنا
كيف نستعيد بوصلة الفن الحقيقي. وهنا وضعت بعض النقاط المهمة
أولاً التفرقة بين الحداثة الحقيقية والادعاء .فالفن الحديث الصادق هو الذي يملك إيقاعاً وتوازناً ورؤية إنسانية تمس النفس بينما الأكذوبة هي ما يعتمد فقط على الدعاية والصدمة المؤقتة وتغليف الفراغ بكلمات فلسفية معقدة.
ثانياً ثقة المتلقي بذوقه في قراءة العمل الفني, فالفن مثل الموسيقى والطعام لا يحتاج لكتالوج من مئات الصفحات ليقنعك, وإذا كان العمل الفني يحتاج لمجلدات لإقناعك بأنه فن فهو ليس كذلك. فهو اكذوبة.
ثالثاً دعم الفنانين الصادقين وإعادة الاعتبار للذين يدرسون ويتعبون على صقل مهاراتهم ويقدمون تجارب بصيرة قائمة على الصدق والجهد والجمال
رابعاً المواجهة الصريحة مع عبث الدخلاء الذين يتسترون خلف رداء الفن الحديث بينما هم في الحقيقة مجرد طارئين استغلوا غموض المشهد ليتسللوا إلى محراب الفن ويسلبوه روح الجمال وأصالة المهارة
شاركونا رأيكم في التعليقات هل تعتقدون أن الفن المعاصر فقد معاييره أم أن الجمال أصبح مجرد فكرة؟
• هذا المقال ليس للفنان، بل للمتلقي ولعامة الناس







