كان لا بد من برشلونة لفهم الصنعة الحكائية لزافون، فبعد فرنسا وبريطانيا والهند في ثلاثية الضباب في أدب اليافعين، يحط كارلوس زافون رحاله في برشلونة مسقط رأسه، حيث إنها العتبة الأولى للولوج إلى مقبرة الكتب المنسية.
وبهذا كانت مارينا الرواية الأولى التي يودع بها الكاتب أدب اليافعين ويفتح الستائر على عالم جديد برواية تناسب كل الفئات العمرية، وقد شكلت لحظة فارقة في أعماله، ولعلها الرواية التي تعلق بها زافون بقدر الاحباط الذي سببته الطبعات السيئة التي حظيت بها طوال سنوات منذ 1998، إلى أن وصلت في النهاية للقراء كما تمنى الكاتب وألقى فيها كلمته عام 2008.
تبدأ رواية مارينا بوقفة تأملية للبطل أوسكار دراي بعد مرور خمسة عشر عاما، وهو يتذكر ذلك الربيع من عام 1980 عندما اختفى لأسبوع كامل من مدرسته الداخلية في برشلونة ثم يُعثر عليه في محطة القطار وهو يودع مغامرة لم تقع إلا في ذاكرته. فيا ترى من هي مارينا؟
•لقاء المصادفة وبداية السحر
حدث اللقاء بمارينا في إحدى ساعات الفرار من المدرسة الداخلية، وذلك بعد أن قادته قدماه قبل أيام من التسكع إلى قصر قديم ظنه مهجورا فيأخذ ساعة ذهبية عن غير قصد ستعيده إلى بوابة المنزل ويلتقي بمارينا في صباح ضبابي.
ومع الأيام، أصبح أوسكار دراي صديقا لمارينا وأبيها خيرمان بلاو في منزلهما المليء بالذكريات، ولطالما كان ملاذا لأوسكار من رتابة الحياة في مدرسته الداخلية.
•لغز الفراشة السوداء والماضي المختبئ في جناحيها
تأخذ مارينا صديقها أوسكار إلى مقبرة ساريا لمراقبة امرأة تغطي وجهها بطرحة سوداء، لكأنها حضرت من القرن الماضي لزيارة قبر مجهول لا يحمل اسما، بل نقشا لفراشة سوداء. كان هذا الرمز الكشاف الذي يضيئ الدروب المظلمة التي يسلكانها لمعرفة أعماق قصة ميخائيل كولفينيك، العبقري الذي حاول تحدي الطبيعة البشرية والموت، بصناعة أطراف وحياة اصطناعية لأناس مشوهين،
صاحبا في تجربته مأساة زوجته إيفا إيرينوفا التي حولها إلى آلة تركيبية بسبب التشوه الذي تعرضت له يوم زفافهما، وصديقه الطبيب خوان شيلي الذي اعتنى بماريا – القطعة الأخيرة المشوهة من أبيها ميخائيل – وصديقه لويس كلاريت الحارس الوفي الذي حطمته اختراعات ميخائيل في حرب مسرح الأوركسترا لصد وحشيتها.
• الدلالة الرمزية للفراشة السوداء مع لغز القصة
تمثل الفراشة السوداء الشعار الرسمي لشركة بيلو غراني، وهي الامبراطورية الطبية التي أسسها ميخائيل كولفينيك المتخصصة في صناعة الأطراف الاصطناعية وتقويم العظام. كانت هذه الفراشة تطبع على كل منتجات الشركة وأوراقها الرسمية، وتعكس في جوهرها فكرة المسخ أو التحول من حالة إلى أخرى. وبالنسبة لكولفينيك الذي كان يعاني من مرض جيني مشوه، كانت الفراشة ترمز لحلمه في إعادة صياغة الجسد البشري وهزيمة الموت والضعف الطبيعي من خلال الابتكار.
وهي رمز للطموح البشري حين يتجاوز حدوده ويتحول السعي وراء الجمال والكمال إلى كابوس أسود يسكن المجاري والأنفاق.
• حتمية الفقد والوداع
في موازاة لغز كولفينيك المرعب، يكتشف أوسكار لاحقا مرض مارينا الصامت، فتتحول الرواية من مغامرة إلى قصيدة في الرثاء والوداع؛ ولوهلة تتقاطع أفكار أوسكار مع الفكرة التي حاول كولفينيك تحقيقها بقوارير مصله، فيدرك أن الموت لا مهرب منه.. فلم يكن موت مارينا نهاية القصة فحسب، بل نهاية طفولة أوسكار في الأسبوع الذي اختفى فيه من المدرسة الداخلية، وبداية وعيه بمرارة الفقد.
وبهذا كانت رواية مارينا تحكي سحر البدايات ونهاية البراءة، تذكرنا بأن الحقيقة غالبا ما تكون مؤلمة، لكن مواجهتها هي السبيل الوحيد للنضج.

