يمثل النقاش الدائر اليوم حول الفلسفة، في جزء منه، تعبيراً عن أزمة التفكير في مجتمعنا، وهو يعكس واقعاً اجتماعياً وسياسياً أكبر مظاهره الانغلاق والقمع.
منذ أن أثارت قرارات وزير التربية بتقليص الحجم الساعي لمادة الفلسفة وإلغائها من بعض المستويات، ظل النقاش يراوح مكانه، على الرغم من اتساع رقعته وانفلاته من بين أيدي أهل الاختصاص، فأصبح موضوعاً عاماً يخوض فيه من هبّ ودبّ. وكثير من الكلام الذي قيل، لا سيما في مواقع التواصل الاجتماعي، خرج عن نطاق النقاش الفلسفي، لأننا تعلمنا بأن الكتابة ضد الفلسفة لا تكون إلا شكلاً من الفلسفة المضادة، وهذا ما لم يحدث عندنا للأسف، باستثناء بعض المداخلات النوعية النادرة.
للأسف، انتهج الكثيرون نهجاً أحادياً في الطرح، باستعادة نفس الكلام النمطي حول الفلسفة، وذهبوا إلى النبش في نفس الأحكام، وهدفهم إقناع عموم الناس بأن لا حاجة لنا بها، طالما أن الدين أجاب عن جميع أسئلتهم، وبذلك فإن التفكير سيضر بعقيدتهم وسيهدد أمنهم الروحي والأخلاقي. وأمام هذا المشهد نعيد طرح السؤال التالي: لماذا يصرّ الكثيرون على معاداة العقل؟
وتجدر الإشارة إلى أنّ ما حدث في الجزائر، قد سبقت إليه فرنسا عام 1979، عندما أصدر وزير التعليم آنذاك (هنري هابي) قانون ينصّ على إقصاء تدريس مادة الفلسفة في الأقسام الثانوية، وحصره فقط في عدد محدود من الجامعات الفرنسية. غير أنّ القانون لم يمرّ مرور الكِرام، فقد تصدى له فلاسفة فرنسا، وكان على رأسهم (جاك ديريدا)، الذي أشرف على اجتماع ما سُمي آنذاك بـ(المجلس الأعلى للقيادات العامة الفلسفية)، وحضره أزيد من 1200 شخص في قاعة المحاضرات الكبرى بجامعة السربون. ومن بين الأسماء اللامعة التي حضرت: شاتولي، جيل دولوز، بول ريكور، ريجيس دوبري، جانكيليفتيش، … إلخ دار النقاش حول أهمية الفلسفة، والتحذير من مخاطر إقصاء الفلسفة من التعليم الثانوي. كما عرّجوا إلى مناقشة مخاطر توظيف الإعلام للفلاسفة لأجل تبرير سياسات الدولة التي تعمل على احتكار الحقيقة والمعنى، وهو ما أثار جدلا كبيرا في القاعة، تحول في بعض أطواره إلى مشادات كلامية، بحضور مجموعة من المعارضين، وعلى رأسهم بيرنارد هنري ليفي.
الفلسفة بين الحياة والخطاب الأكاديمي
في هذا السياق، لا بد من القول إن محنة الفلسفة ليست جديدة، ولا تقتصر على الجزائر، إنما هي محنة تاريخية تمتد إلى بداية الفلسفة نفسها. لكن المتأمل في القضية يجد بأن النقاش، في بُعد من أبعاده، يطرح جدلية سنتخذها موضوعاً لمقالنا، وهي: الفلسفة بوصفها تفكيراً في الحياة، وبين الفلسفة بوصفها خطاباً مفاهيمياً معقداً يصدّر المشكلات المعقدة للإنسان.
الصورة الشائعة عن الفلسفة أنها الخوض في القضايا المعقدة بلغة غامضة، وأنها تطرح التساؤلات النظرية التي لا يكاد يفهمها عامة الناس. وإذا كانت بهذا المستوى من الغموض والتعقيد، فما حاجة الناس إليها؟ وإذا سألنا تلميذاً عنها، سنجد أن الإجابة التي تتكرر باستمرار هي أن الفلسفة مادة معقدة تثير الخوف.
السؤال جدير بالطرح، على الرغم من أنه لا يعكس بالضرورة حقيقة الفلسفة. ثم إن النقاش الذي دار لم يحترم الحدود المائزة بين الفلسفة وبين تدريسها، وهذا الخلط كان من الأسباب التي أغرقت الجدل في مناكفات غير مجدية.
الواقع المعاصر ومعيقات التفكير الفلسفي:
قراءة واقع الفلسفة لا بد أن تأخذ بعين الاعتبار السياق العام، حيث أصبحت التكنولوجيا تزاحم وجود الإنسان، ففرضت عليه واقعاً جديداً ينحو إلى تقزيم حجم الفعالية الإنسانية ومنح الآلة مساحة أكبر في الوجود. فتغيرت على إثر ذلك حاجات الإنسان، وضاقت آفاق التفكير، ودخل في مرحلة الاستغناء عن التفكير طالما أن الآلة تجيب عن حاجاته في لمح البصر.
وهنا تبرز أسئلة مصيرية: هل يحتاج الإنسان المعاصر إلى الحكمة أم إلى إشباع رغباته التي لا تتوقف؟ ما حاجة الإنسان إلى الأسئلة طالما أن ما يحتاج إليه يحضر في لمح البصر دون عناء يذكر؟
نقرّ مبدئياً بأن الفلسفة تمر بأزمة، يمكن وصفها بأزمة الجدوى منها، أضف إلى ذلك طبيعة العقل الاجتماعي الذي يرهب من الأسئلة، ويعادي التفكير، ويقاوم كل من يحمل عقلاً شكاكاً.
أزمة تعليم الفلسفة
وإذا نقلنا هذا إلى التعليم، ارتسمت أمامنا لوحة سوداء عن أزمة التعليم الفلسفي. فبدل تحويل هذه الأزمة إلى موضوع للنقاش والتفكير، ارتفعت الأصوات التي هلّلت بإلغاء مادة الفلسفة أو، في أحسن الأحوال، تقليص حجمها الساعي، كأن هذا القرار سينهي قروناً من الغطرسة الفلسفية. وهو مشهد يجسد، كما قلنا في بداية المقال، مظهراً من مظاهر أزمة الفلسفة. وعلى حد تعبير جاك دريدا: “كانت الفلسفة على الدوام تعبيراً عن تجربة أزمتها الخاصة”.
بين الفلسفة وتعليمها سردية متشعبة من الجدل حامي الوطيس، ترسم مساراً من التحولات التي صاحبت تطور الفلسفة وموقف المجتمع منها، من لحظة تحويل الحياة إلى موضوع للفلسفة إلى لحظة تحويل الفلسفة إلى موضوع للمدارسة. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل جعلنا الفلسفة وسيلة لفهم الحياة، أم حولناها إلى مجرد موضوع للدرس لا غاية له إلا تفسير مفاهيمها ومناهجها؟
تحولات الفلسفة:
لقد مرت الفلسفة عبر تاريخها بتحولات كبرى. قيل إن البداية كانت بأسئلة طاليس عن أصل الأشياء، وقد ارتسمت البدايات بانبثاق الأسئلة الجوهرية التي كان يطرحها الإنسان وهو يواجه عالماً غامضاً. الأمر الذي يعني أن التساؤل، بصفته مركز التفكير الفلسفي، هو ظاهرة بشرية تميز الإنسان عن بقية المخلوقات.
ثم جاء سقراط (470–399 ق.م) مؤسس النهج الفلسفي الذي جعل الفلسفة “طريقة للعيش”. أو على حد تعبير شيشرون: “كان سقراط أول من أنزل الفلسفة من السماء، وأدخلها المدن والمنازل، ودفعها إلى التساؤل عن الحياة والعادات والأشياء الجيدة والسيئة” (ينظر: ماثيو شارب ومايكل يور، الفلسفة طريقة للعيش، تر: عمر فتحي، ص 57).
هذا يعني أنها كانت متعالية في أبراج عالية، قبل أن ينزلها سقراط لتمشي في الأسواق وتختلط بالناس. وبهذا انتقلت الفلسفة من الطبيعة إلى الأخلاق، مركزة على السلوك الإنساني، وعلى الحياة، وعلى فلسفة العيش والبحث عن أسباب السعادة والعيش الطيب.
غير أن ما قام به سقراط، وهو إعادة تقييم القيم، لم يعجب سادة اليونان، بل وجدوا في اقتحامه للحياة اليومية للأفراد، وتحريضهم على التفكير، والخوض معهم في حوارات أخلاقية، والدفع بهم إلى إخضاع حياتهم للفحص والتمحيص، أنه يشكل خطراً على منظومتهم السياسية والاجتماعية والأخلاقية.
نكاد نقول إن محنة الفلسفة تتخذ من تجربة سقراط تجلياً رمزياً عابراً للتاريخ، يكاد يتكرر في أماكن وثقافات أخرى، وفي أزمنة مختلفة، على الرغم من اختلاف السياقات. فما يزعج في الفلسفة، قبل أن يتم سحبها إلى المؤسسة، هو أنها تجسد تمريناً روحياً في التفكير في الحياة وفي سبل العيش خارج إطار الوصايا. ولعل إعدام سقراط كان بمثابة إجابة صريحة من لدن المؤسسة تجاه التفكير الفلسفي، لاسيما عندما يكون منصباً على الحياة بالذات.
طبعاً، رغم إعدام سقراط ومطاردة الفلاسفة، ظلت الفلسفة تقاوم، لكنها في فترات معينة تبدلت موضوعاتها ومناهجها وأهدافها، وصارت مع الوقت تبتعد عن روحها السقراطية، وتفقد وضوحها، لتتحول شيئاً فشيئاً إلى تخصص في ذاته، واكتسبت مع الوقت روحاً غامضة ولغة مشفرة.
ابتعدت الفلسفة من الحياة، لتقفز في أحضان النظريات والمفاهيم. وكما قال إدغار موران: “أصبحت الفلسفة مهنة، مهنة أساتذة الفلسفة، وتفرعت إلى فروع بيداغوجية، منها الفلسفة العامة وتاريخ الفلسفة والأخلاق، وانغلقت أكثر على نفسها”. وها هو هيغل يجيب بسخرية عن سائله حول ماهية الفلسفة فيقول: “الفلسفة هي مورد رزق لأساتذة الفلسفة” (ينظر: إدغار موران، تعليم الحياة: بيان لتغيير التربية، تر: الطاهر بن يحيى، ص 32).
وبالعودة إلى التاريخ، ففي العصور الوسطى، وبتأثير من آباء الكنيسة في أوروبا، انحرفت الفلسفة عن جوهرها السقراطي، وتحولت إلى تفكير شكلي، وإلى بطانة إيديولوجية منحت الشرعية للسلطة السياسية القائمة في ذلك الوقت. ولأجل إبعادها عن الناس، تحولت إلى تخصص جامعي، كان أكبر ما ميزها هو الغموض والتعقيد المنفّر، وكان الأمر مقصوداً. واستمر هذا الغموض في الفلسفة المثالية الألمانية، على الرغم من فترة الأنوار التي كانت تحمل روحاً إنسانية، واجتهدت أن تخفف من سطوة الشكل السكولاستيكي للفلسفة لتكون يسيرة القراءة سهلة الفهم، وإخراجها من أسوار الجامعة لتخضع مجدداً لمحك التجربة الواقعية.
خاتمة: الفلسفة باقية ما دام العقل يفكر
نفهم من خلال هذا الجرد التاريخي أن الحكم على الفلسفة بقرارات مؤسساتية لم ينتبه إلى أن الفلسفة شيء، وأن تدريس الفلسفة شيء آخر. قد يفلح وزير ما في إلغاء مادة الفلسفة من المقررات التعليمية، وقد يبتهج الناس لذلك وهم لا يدرون صراحة سبب بهجتهم تلك، لكن الفلسفة موجودة طالما هناك عقل إنساني واحد يفكر.
صحيح ما قاله ميشال أونفري: “إننا لا نرى في أيامنا هذه فلاسفة، بل نرى فقط أساتذة يدرسون الفلسفة” (ينظر: ميشال أونفري، الصمود في وجه العدمية، تر: المصطفى الصبياني، ص 431). وهو هنا ينتقد واقع الفلسفة لما تحولت إلى مجرد مادة للتدريس. لكن الفلسفة عاشت دائماً في الأطراف، مثل طائر حر محلّق، يلقي بشعلة المعرفة على البشر. ولطالما أن هذه الشعلة لم تنطفئ بعد، فحياة الفلسفة ستمتد.
