خرجتُ من البيت لا هروبا ولا بحثا، بل كمن يقف على سلك مشدود بين حضور باهت وغياب مؤجل. كانت المدينة تمتد أمامي كمتاهة من الإسمنت والفراغ؛ أجساد تتدافع في نهر من التكرار الأبدي، تتبادل الأدوار والأقنعة في مسرحية لم يقرأ أحد نصها الأصلي، ولا يعنيه أن يعرف من كتبها.
وفجأة، انشق الضجيج عن صوت غريب، كأنما اخترق استمرار الزمن. ناداني باسمي، فالتفت متخففا من كل فضول.
كان شابا بسيط الهيئة، لكن في عينيه بريق لا ينتمي إلى هذا الزحام. لم يسألني عن وجهتي، بل التقط لحظتي وبادرني بعبارة كانت كسهم خرج من العدم:
“تحفر بكلماتك في جدار الوجود كل يوم… ألتصل إلى الناحية الأخرى، أم لتتأكد فقط من صلابة الجدار؟”
تجمدت في مكاني. كان السؤال وحده كفيلا بأن يفتح بابا على فراغ لا تمنحه اللغة اسما، فبدت الإجابات الممكنة كلها أثقالا جديدة يضيفها العقل إلى أوهامه.
وقبل أن أرتد إلى نفسي لأجيب، ابتسم؛ ابتسامة من صافح الحقيقة ولم يدع امتلاكها، ثم همس:
“أعلم أنك لا تبحث عن جواب… أردت فقط أن أزن المسافة بين صمتك وورقتك.”
واختفى؛ لا كما يغيب البشر، بل كما تتلاشى فكرة في اللحظة التي تولد فيها فكرة أخرى. أفقت على الزحام كما تركته: وجوه متشابهة تعبر الشارع، كأن ما حدث لم يقع إلا في التجويف الخفي لرأسي.
عدت إلى بيتي، وجلست أمام المكتب العتيق، حيث تتمدد الأوراق البيضاء ببراءتها الخادعة. التقطت القلم، لكنني لم أكتب.
لم يكن سؤاله كلاما يقال، بل انبعاثا من ذلك الجزء الغائر في داخلي؛ الجزء الذي لا يكتب، بل يملي، ولا يجيب، بل يظل حيا على هيئة سؤال دائم. أدركت حينها أن كل سطر أخطه ليس محاولة للكشف، بل منح الغز شكلا جديدا، وأنني لا أكتب لأستريح، بل ليزداد السؤال عمقا، وتزداد الإجابة بعدا.
وضعت سن القلم على حافة الورقة، وبدلا من أن أبدأ السطر، همست للورق:
“وأنت… من تكون؟”
