إلى متى يظل الإنسان مطالبا بتأكيد ولاءه لفكرة قبل أن يُعترف بحقه في أن يكون إنسانا؟ ربما قد يبدو السؤال سياسيا للوهلة الاولى ولكنه في عمقه هو سؤال عن تاريخ طويل لمكوث الانسان رهينة لحساب التصورات الكبرى التي ضربت له موعدا مع بدالخلاص ثم انتهت في الغالب إلى تحويله لمادة عمق معاركها، فالأيديولوجيا عندما تتجاوز.
كونها طريقة لفهم العالم وتتحور حقيقة مغلقة تدَعي امتلاك المعنى كاملا تبدأ في النظر إلى الإنسان من خلال موقعه منها- معنا أو ضدنا، مؤمن أو خائن، تقدمي أو رجعي، وطني أو عدو، حتى تضيق المساحة التي يستطيع فيها الفرد أن يكون نفسه بعيدا عن هذه التصنيفات
المشكلة ليست في وجود الأفكار ولا في اختلافها؛ فالحياة الإنسانية لا تقوم من دون تصورات ومواقف ومصالح ورؤى متعارضة- المشكلة تبدأ عندما تكبر الفكرة وتتمرد على إطاراها وتغدو أكبر من الإنسان الذي أنجبها وحين تتحول الوسيلة التي خلقها العقل أجل لتأطير الواقع إلى سلطة تحاكم العقل نفسه.. عندها لا تصبح الأيديولوجيا قفصا معرفيا وأخلاقيا ويغدو المختلف خطرا ينبغي إسقاطه بدل أن يكون وجها آخر لفهم العالم
لقد أثبت التاريخ أن أكثر الصراعات قسوة لم تكن دائما في اغلبها على الأرض والثروة وحدهما ولكنها أيضا كانت صراعات على من يملك تعريف الحقيقة ويفرض منطقها.. كل منظومة مغلقة على ذاتها تريد للعالم أن يتطابق مع صورتها عنه، وحين يعاند الواقع تبدأ محاولات إخضاعه واجباره بالقوة وهنا يولد العنف مرغما في أكثر حالاته خطورة لأنه لا يرى نفسه عنفا؛ فمن زاويته يعتقد أنه يؤدي رسالة وينقذ مجتمعا ويحمي عقيدة أو يصنع مستقبلا وحين يضع على جسده العنف ثوب الفضيلة يفضي أكثر قدرة على ارتكاب القسوة من دون أن يشعر بتناقضه الأخلاقي
في عمق هذا الصراع يقف الإنسان منهزما في الأغلب، يُطلب منه أن يموت من أجل شعارات لم يشارك في صياغتها وأن يُكِن الكره لأشخاص لم يعرفهم لأنهم يقفون في الوجهة الأخرى من البقعة الفكرية وأن يختزل وجوده المعقد في بطاقة انتماء.. وشيئا فشيئاً يصبح السؤال – إلى أي قطب تنتمي؟ أكثر أهمية من السؤال-من أنت؟ وماذا تريد أن تكون؟ وهكذا تنجح الأيديولوجيا حين تنهزم الإنسانية؛ لأنها تمنحنا أجوبة جاهزة في مقابل أن نتنازل عن مشقة التفكير
والأخطر أن النزاع الأيديولوجي لا يحتاج دوما لسلاح لأنه يملك القدرة على أن يسكن اللغة والتعليم والإعلام والثقافة وحتى الذاكرة الجمعية.. يبدأ عندما نلقّن الطفل ما يجب أن يعتقده قبل أن نعلمه كيفية التفكير، وحين نصنع من أطلال التاريخ محكمة لا معرفة ومن الثقافة أداة اصطفاف ومن الاختلاف خيانة عظمى، في هذه اللحظة لا نكوّن وعيا ولكننا ننشأ أفرادا يحملون داخلهم حروبا مؤجلة.. ينتظر كل شخص منهم اللحظة التي يستطيع فيها فرض يقينه على الآخر
ربما أزمتنا الحقيقية لم تعد في نقص الأفكار فقد امتلأ العالم بها إلى حد التخمة.. وإنما هي يجسدها فشلنا الذريع في بناء مساحة أخلاقية تسبق الأفكار جميعا، تلك المساحة التي يكون فيها الإنسان قيمة لا تحتاج إلى تبرير أيديولوجي أين نستطيع أن نختلف دون أن ننزع عن بعضنا حق الوجود وأن نحمل قناعاتنا دون أن نحولها إلى مقصلة رمزية وأن ندرك أن الحقيقة الإنسانية أوسع من أن يحتويها حزب أو عقيدة سياسية أو منظومة فكرية واحدة
فالوعي لا يعني أن يعيش الإنسان بلا موقف، وإنما أن يكون مقتنعا ويعرف أن موقفه ليس الكون كله وأن يدرك أن كل فكرة مهما بدت عظيمة ينبغي أن تظل قابلة للسؤال ما دامت تمس حياة البشر وكرامتهم، وربما تبدأ نهاية النزاع الأيديولوجي يوم نتوقف عن سؤال الإنسان- إلى أي فكرة تنتمي؟ ونبدأ بمساءلة الأفكار نفسها- ماذا فعلتم بالإنسان؟.