قد نلتقي في رحلتنا بوجوه نعبرها وتعبرنا؛ بعضهم يأتي كإشارات غامضة، لا تدلنا بقدر ما تربك فينا معنى الاتجاه، وبعضهم الآخر ليس سوى صدفة عابرة في مجرى الفوضى، لا يحمل رسالة، ولا يمهد لغاية. نحن، في كثير من الأحيان، من نفرط في تأويل الحضور، ونمنح العابرين أدوارا في هندسة خفية قد لا تكون موجودة إلا في مخيلتنا؛ نتشبث بالمعنى، ربما لأن مواجهة العبث أشد وطأة من اختراع غاية له.

فالعابرون ليسوا بالضرورة علامات على طريق رسمته الحياة سلفا، ولا شخوصا سخرهم القدر ليدلونا على وجهتنا. إنهم، قبل كل شيء، ذوات مكتملة، لكل منها تيهها الخاص، وخوفها، ورغباتها، وخرائطها الممزقة. تتقاطع خطواتهم مع خطواتنا عند منعطفات لا يعرف أحد من رسمها، ثم يفترق المساران، كأن كل واحد منا كان يعبر في طريقه الخاص، وحدث أن تقاطعت الطرق للحظة.

ومع ذلك، فإن التقاطع لا يكون بلا أثر.

قد يفتح أحدهم في جدارنا نافذة لم نكن نعرف أنها موجودة، وقد يرفع آخر أمامنا سورا يجعلنا نكتشف قوة أقدامنا، وقد يترك ثالث في أرواحنا جرحا لا نفهمه إلا بعد سنوات. وربما لا يدري أي منهم أنه فعل شيئا من ذلك. فالإنسان قد يكون حدثا عابرا في حياة شخص، بينما يصبح، دون قصد منه، جزءا من بنيته الداخلية.

نحن لا نعيش الأحداث مرة واحدة؛ نعيشها أولا كما تقع، ثم نعيد عيشها كلما حاولنا فهمها.

ولهذا، حين نلتفت إلى الوراء، لا نجد الماضي كما كان، بل كما أعادت ذاكرتنا تشكيله. نلتقط شظايا اللقاءات، نربط بينها، نمنحها عناوين ودلالات، ونرسم بينها خطوطا توحي بأن كل شيء كان يسير نحو نقطة محددة. كأن العقل لا يحتمل الفوضى الخام، فيحوك من مصادفاتها سردية تمنحه شيئا من الطمأنينة.

قد يصرخ بنا أحدهم كي ننتبه، وقد يكسرنا آخر فنكتشف هشاشتنا، وقد يمسك ثالث بأيدينا في لحظة سقوط، ثم يرحل دون أن يعرف أنه أنقذ فينا شيئا. وقد يمر رابع من جوار حياتنا دون أن يترك سوى ظل عابر، ثم نكتشف بعد زمن أن ذلك الظل كان جزءا من المشهد الذي لم نكن نراه كاملا.

لكن هل يعني هذا أن لكل عابر رسالة؟

ليس بالضرورة.

فربما كان بعض اللقاءات بلا غاية سابقة، وبعض الفراقات بلا حكمة خفية، وبعض الجروح مجرد جروح لا تنتظر أن تتحول إلى دروس. وربما كان في قبول هذه الحقيقة قدر من النضج لا يقل عن البحث عن المعنى.

لأننا نبالغ أحيانا في تقديس ما حدث لنا، فنحوّل الخيانة إلى درس مقدر، والفقد إلى رسالة، والصدفة إلى تدبير، والرحيل إلى حكمة مكتوبة في مكان غامض.

وماذا لو لم يكن هناك شيء مكتوب؟

ماذا لو أن الحياة لا تقدم لنا خرائط، ولا ترسل إلينا إشارات، ولا تخبئ في كل منعطف معنى ينتظر أن نكتشفه؟

ماذا لو كان بعض ما حدث… قد حدث فقط؟

قد يبدو السؤال قاسيا، لكنه يحررنا من وهم أن لكل خسارة تعويضا رمزيا، ولكل ألم معنى جاهزا، ولكل شخص دخل حياتنا مهمة كونية يؤديها ثم يرحل.

وربما لا تكمن قيمة التجربة في أن تكون قد حدثت لغاية، بل في قدرتنا على أن نصنع منها معنى بعد حدوثها.

فالمعنى، أحيانا، لا يكون شيئا نعثر عليه في الطريق؛ بل شيئا نبنيه بأيدينا من أنقاض ما مر بنا.

نحن لا نملك دائما تفسير ما يحدث، لكننا نملك الطريقة التي نحمله بها.

وهنا يصبح أصدقاء الرحلة أكثر من مجرد رفاق، وأقل من أن يكونوا إشارات قدرية؛ إنهم تقاطعات بشرية، التقت فيها حياتان للحظة، فتبادلتا شيئا من الضوء والظلام، ثم مضى كل منهما إلى مجهوله.

بعضهم سيبقى في الذاكرة كنافذة، وبعضهم كجرح، وبعضهم كضحكة بعيدة، وبعضهم لن يبقى منه شيء.

ولا بأس.

فليس كل ما يمر بنا مطالبا بأن يخلد، وليس كل أثر يحتاج إلى تفسير.

ربما يكفي أحيانا أن نعترف بأننا كنا هناك، وأنهم كانوا هناك، وأن الطريق جمعنا للحظة ثم فرّقنا.

ولعل أكثر ما يربكنا في الرحلة ليس أن نفقد الرفاق، بل أن نكتشف أننا كنا نريد من وجودهم معنى يطمئننا أكثر مما كنا نريد وجودهم أنفسهم.

نحن لا نخاف العبور وحده؛ نخاف أن نعبر دون علامة، أن نمشي دون يقين، أن نصل إلى مفترق فلا نجد سهما يشير إلى «الصحيح».

لكن ربما تكون الحرية الحقيقية في أن نتعلم المشي دون أسهم.

أن نقبل أن بعض الطرق لا تعرف نهاياتها، وأن بعض الوجوه لا تحمل مفاتيح، وأن بعض اللقاءات لا تفسر نفسها، وأن الإنسان قد يواصل سيره رغم أن الطريق لم يعد يمنحه أي وعد.

لذلك، ربما لا يكون السؤال:

من هؤلاء الذين عبروا حياتنا؟

ولا:

إلى أين كانت الحياة تشير بنا من خلالهم؟

بل السؤال الأشد عمقا:

كيف نتعلم أن نعيش العبور دون أن نحوله إلى نبوءة، وأن نحتفظ بأثر الآخرين دون أن نحولهم إلى رموز، وأن نمضي في الطريق حتى حين لا تشير لنا أي يد إلى الاتجاه؟

فربما لم يكن أصدقاء الرحلة إشارات رسمتها الحياة لنا…

ربما كانوا مجرد مسافرين مثلنا؛ تاهوا في العتمة نفسها، وحين تقاطعت طرقنا، منح كل منا الآخر لحظة من الضوء، ثم مضى.

وربما كانت تلك اللحظة، لا أكثر ولا أقل، هي كل المعنى.