• ليست كل قراءة تحمل مصطلحات نقدية قراءة نقدية وليس استدعاء أسماء مثل هايدغر وجادامر وبارت وإدوار الخراط كافيا لإثبات امتلاك أدوات القراءة.. فقد يتحول المصطلح غالبا إلى جدار يستر ضعفا وستار يخفي عجزا أعمق- عجز القارئ الناقد عن الدخول إلى النظام الداخلي للنص وعن إدراك أن هناك أعمال لا تُقرأ بالمسطرة نفسها التي قيس بها السرد التقليدي منذ عقود
وهذ هو المأزق الأساسي في قراءة كرم الصباغ لرواية “أقبية الحلكة”
فالقراءة تبدو منذ بدايتها وكأنها تعرف أن الرواية تقوم على التشظي، وانعدام اليقين، وتكسير الزمن، وتحويل المجردات إلى شخصيات، لكنها لا تذهب بهذه المعرفة إلى نهايتها، تعترف بخصائص النص ثم تعود لتحاكمه ضمنيا انطلاقا من تصورات تنتمي إلى الرواية التقليدية- حبكة واضحة، شخصيات محددة، تطور سببي للأحداث، زمن يمكن تتبعه، وعلاقة مألوفة بين الشخصية والحدث والمكان
وهنا تحديدا تقع المفارقة
كيف يمكن الاعتراف بأن النص ينتمي إلى أفق الرواية الجديدة ثم مطالبته في الوقت نفسه بالامتثال إلى منطق الرواية الكلاسيكية؟
المشكلة إذن ليست في “أقبية الحلكة” وإنما في الأداة التي وُضعت أمامها
فالناقد حين يسحب النص من بيئته الجمالية والفكرية ثم يدخله قسرا في قالب لم يُكتب داخله أصلا لا يكون قد كشف عيب النص وإنما يكون قد كشف محدودية المعيار الذي اختاره لقراءته
-أحد أهم مواطن الخلل في هذا النوع من القراءة هو التعامل مع غياب الحبكة الخارجية التقليدية كما لو كان غيابًا للبناء الروائي
وهذا خلط جوهري والحبكة الذهنية ليست غيابا للحبكة
“أقبية الحلكة” لا تقوم أساسا على حبكة حدثية بالمعنى الذي يتحرك فيه البطل من حادثة إلى أخرى وفق سلسلة سببية تنتهي بحل أو خاتمة.. و بنيتها ذات حبكة ذهنية حيث يكون التحول الحقيقي داخل الوعي وتتولد الحركة من الصراع بين الذاكرة والزمن، والوجود والعدم، والذات وصورتها، والمعنى وانهياره
الحدث هنا لا يقع دائما في الشارع أو البيت أو ساحة المعركة قد يقع داخل اللغة، داخل الذاكرة، داخل سؤال واحد يغير موقع الذات من نفسها
فحين يقول الراوي: “من أنا؟” ثم يضيع في “أبجدية الجواب”، فهذه ليست جملة تأملية معلقة خارج السرد وإنما هو حدث ذهني.
وحين يدخل “الوقت” في مواجهة مع الإنسان ويعلن هيمنته عليه فالمشهد ليس زخرفة فلسفية، إنه انتقال في بنية الصراع
وحين يصبح العبث صوتا، والليل كيانا، والذاكرة قوة تستدعي الغائبين فإن السرد لا يتوقف، إنه يغير فقط طبيعة مادته
من يبحث عن الحدث في هذه الرواية كما يبحث عنه في الرواية الواقعية التقليدية سيظن أن الحدث غائب لأنه يبحث عنه في المكان الخطأ.. وهذه ليست مشكلة الرواية ولكنها في الأصل مشكلة القراءة
-الخلل الثاني يتعلق بعدم الذهاب بعيدا في فهم التشخيص
حين يتحول الوقت والليل والعبث إلى شخصيات فنحن لسنا أمام استعارات شعرية ألصقت بالسرد لتجميله وإنما أمام اختيار بنيوي يقوم عليه العالم الروائي كله
التشخيص في الأدب يمنح المجرد صوتا وإرادة وعلاقة بالآخر. وحين يكتسب “الوقت” القدرة على الكلام والهيمنة والسخرية والتدخل في المصير فإنه ينتقل من كونه مفهوما إلى كونه فاعلا سرديا
وهنا يجب أن تتغير أدوات الناقد
لا يمكن أن نسأل عن “الوقت” الأسئلة نفسها التي نطرحها على شخصية اجتماعية اسمها أحمد أو يوسف: أين ولد؟ ما مهنته؟ ما طبقته الاجتماعية؟ كيف تطورت شخصيته؟
الوقت لا يحتاج إلى بطاقة هوية حتى يصبح شخصية
وجوده يتحدد بوظيفته داخل العالم الروائي وبمقدار تأثيره في بقية العناصر، وبالصراع الذي ينتجه
وهذا معروف في الأدب الحديث والمعاصر الذي لم يعد يشترط أن تكون الشخصية جسدا بشريا مكتمل السيرة، لقد أصبحت المدن والذاكرة والأشياء والأصوات والمفاهيم والموت نفسه قابلة لأن تتحول إلى قوى فاعلة داخل السرد
لذلك فإن إخضاع شخصيات “أقبية الحلكة” لمفهوم الشخصية الكلاسيكية لا يكشف ضعفها هي.. في الواقع يكشف عدم ملاءمة الأداة النقدية المستخدمة معها
الأمر نفسه ينطبق على التجريد فالاخير لا يمكن تصنيفه نقصا
وإنما السؤال هل مُلم كرم الصباغ بالفلسفة التجريدية وهل يفقه كيف تشتغل وما علاقاتها باللغة وماذا تفعل؟!
الرواية لا تحاول إعادة إنتاج العالم فوتوغرافيا ولا تقديم نسخة اجتماعية جاهزة منه ولكنها تجرده لتصل إلى بنيته الأكثر قسوة- الإنسان أمام الزمن، الإنسان أمام الفقد، الإنسان أمام اللا معنى
التجريد هنا ليس هروبا من الواقع وإنما طريقة لإزالة التفاصيل العرضية حتى يبقى السؤال الوجودي عاريا
وعندما تتحول الشخصيات إلى حالات والأماكن إلى فضاءات نفسية والزمن إلى قوة فإن النص يبتعد عن المحاكاة المباشرة ليقترب من بناء عالم رمزي
الناقد الذي لا ينتبه إلى ذلك سيبحث باستمرار عن أشياء تعمد النص التخلي عنها ثم يسجل غيابها باعتباره نقصا
وهذه واحدة من أقدم أخطاء النقد المعياري- أن يحاكم النص على أساس ما كان ينبغي أن يكون وليس على أساس ما قرر أن يكونه
– من زاوية أخرى القراءة تثير سؤالا آخر يتعلق باستخدام المرجعيات الفلسفية
من الممكن أن نذكر هايدغر وجادامر وبارت في بضعة أسطر لكن السؤال الحقيقي ليس- من ذكرنا؟ وإنما- ماذا فعلنا بمفاهيمهم؟
إذا كانت الرواية تقوم على انعدام اليقين فكيف تعمل هذه اللايقينية داخل بنيتها؟
إذا كانت الذات متشظية فما طبيعة هذا التشظي؟
إذا كانت اللغة لا تقود إلى جواب نهائي فما علاقة ذلك ببناء المعنى؟
وإذا استُدعي جادامر فأين أفق التلقي وحركة الفهم ودور القارئ في إنتاج الدلالة؟
– الغريب أن بعض الخطابات تستحضر فلسفة التأويل ثم تمارس عمليا عكسها تماما- تحدد للقارئ مسار القراءة وتشرح له ما يجب أن يفهمه ثم تتحدث باسمه كما لو كان عاجزا عن مواجهة النص منفردا
وهنا نصل إلى المشكلة الأخطر.. الناقد الذي يختبئ خلف القارئ
من حق الناقد أن يقول- لم أفهم هذا الموضع
ومن حقه أن يقول- لم تقنعني هذه التقنية
وتبقى هذه أحكاما نقدية يمكن مناقشتها
بينما إذ تم تحويل “القارئ” إلى ذريعة فالمسألة تختلف
وقت يقول كرم الصباغ بطريقة مباشرة إن القارئ سيضيع أو لن يستطيع الفهم أو يحتاج إلى من يقوده داخل النص فهو لا يدافع عن القارئ بقدر ما يصادر قدرته
وكأن القارئ بلا وعي حتى يأتي الناقد فيمنحه وعيه
وبدون ذائقة حتى يحدد له الناقد مواضع الجمال
ولا يملك القدرة على التأويل حتى يسلمه الناقد المعنى جاهزا
هذه ليست حماية للقارئ ولكن هذذه أبوية نقدية واضحة وتصرخ.. والأغرب أنها تناقض تماما ما أنجزته نظريات القراءة والتلقي والتأويل خلال العقود الأخيرة حيث لم يعد القارئ طرفا سلبيا يتلقى معنى وضعه المؤلف أو الناقد في ظرف مغلق وإنما أصبح شريكا في بناء الدلالة
فإذا كان القارئ قادرا على التأويل فلماذا يحتاج إلى وصي؟
وإذا لم يكن قادرا عليه فما جدوى الحديث عن تعدد القراءات أصلا؟
إن بعض النقاد يستبدلون سلطة المؤلف القديمة بسلطتهم هم- يعلنون موت المؤلف، ثم يجلسون مكانه على العرش
وهذه مفارقة لا يمكن تجاهلها
فالناقد ليس ولي أمر القارئ ووظيفته أن يقترح قراءة لا أن يصدر تعليمات استعمال للنص
– “لماذا لم يكتب بالفرنسية؟” سؤال خارج النقد
أما السؤال الذي جاء به كرم الصباغ في قراءته حول سبب كتابة المؤلف روايته بالعربية وتوجيهها إلى الوطن العربي ولماذا لم يكتبها بالفرنسية حتى يتوجه بها إلى الغرب فهو يفتح إشكالية مختلفة تماما
ما علاقة هذا السؤال بنقد الرواية؟
إذا كان موضوع الدراسة هو بنية “أقبية الحلكة” فما الذي ستضيفه معرفة سبب عدم كتابتها بالفرنسية إلى تحليل الحبكة أو الشخصيات أو اللغة أو الزمن؟
هنا يغادر السؤال المجال النقدي ليدخل إلى فضاء التحقيق في خيارات الكاتب الشخصية وكأن الناقد تحول من قارئ للعمل إلى صحفي يريد معرفة خطة صاحبه الثقافية والجغرافية والتسويقية
الأكثر إشكالا أن السؤال يحمل داخله فرضية تحتاج هي نفسها إلى نقد- أن العربية لغة للوطن العربي وأن الفرنسية هي الطريق إلى الغرب
فأي تصور للأدب هذا؟
هل اللغة الفرنسية وصل دخول إلى العالمية؟
وهل الكتابة بالعربية تعني حبس الرواية داخل حدود العالم العربي؟
لو طبقنا هذا المنطق على تاريخ الأدب العالمي لانتهينا إلى نتائج شديدة العبث وكان ينبغي لكل كاتب أن يختار مسبقا لغة المركز الثقافي الذي يريد الوصول إليه وليست اللغة التي تتشكل داخلها تجربته.. كما أن الأدب لم يعمل بهذه الطريقة ققط فالكاتب يكتب باللغة التي يريدها والترجمة هي التي تنقل العمل بين اللغات والثقافات
وقد تكون علاقة الكاتب بالعربية نفسها جزءا من بنية العمل من ذاكرته وإيقاعه وصوره وطبقاته الدلالية، واللغة ليست مجرد وعاء يمكن استبداله بطريقة عبيثة
وحين يُسأل كاتب عربي- لماذا لم تكتب بالفرنسية حتى تصل إلى الغرب؟ فإن السؤال يكشف من حيث لا يدري صاحبه تصورا مركزيا قديما يجعل الغرب معيار العالمية ولغته جواز المرور إليها.. فالأدب لا يحتاج إلى أن يولد فرنسيا حتى يصبح عالميا
رواية “أقبية الحلكة” يمكن بالطبع مناقشة لغتها وكثافتها وتشخيصها وتجريدها وإيقاعها ومدى نجاحها أو تعثرها
لكن النقد الحقيقي يبدأ بعد الاعتراف بطبيعة المشروع الذي نقرأه..
إذا كان النص قد اختار الحبكة الذهنية فلا نحاكمه لأن حبكته ليست حدثية
وإذا اختار التشخيص، فلا نطالبه بشخصيات واقعية كلاسيكية
وإذا اختار التجريد فلا نسأله عن التفاصيل التي تعمد محوها
وإذا جعل الزمن نفسيا ووجوديا فلا نطالبه بساعة معلقة على الجدار
وإذا جعل القارئ شريكا في ملء الفراغات فلا يأتي الناقد ليملأها كلها نيابة عنه ثم يدعي أنه أنقذه من الضياع
إن أبسط قاعدة في القراءة الأدبية- أن نستخرج معيار العمل من منطقه الداخلي قبل أن نفرض عليه معيارا قادما من خارجه
ومن هنا يبدو أن المأزق الحقيقي في قراءة كرم الصباغ لا يتمثل في أنه اختلف مع “أقبية الحلكة” ولكن الاشكالية تكمن في اقترابه منها بأدوات لا تستوعب تماما ما تحاول الرواية فعله
لقد رأى التشظي ولم يقرأ منطقه كاملا
ورأى الشخصيات المجردة ولم يستثمر نظرية التشخيص لفهم وظيفتها
ورأى انهيار السببية لكنه بقي يبحث في خلفية قراءته عن حبكة الرواية التقليدية
واستدعى التأويل ثم ضيق على القارئ حقه في التأويل
وتحدث عن بنية الرواية ثم خرج ليسأل الكاتب لماذا لم يكتبها بلغة أخرى
وهكذا يصبح السؤال الذي ينبغي أن يُطرح في النهاية مختلفا تماما-
هل عجزت “أقبية الحلكة” عن الاستجابة لأدوات الناقد؟
أم أن أدوات الناقد هي التي عجزت عن الاستجابة لتحولات “أقبية الحلكة”؟
فالعمل المختلف لا يحتاج دائما إلى أن نعيده إلى القالب كي نفهمه ..كما ينبغي ويتوجب على النقد نفسه احيانا أن يتعلم كيف يخرج من القالب

____________________________
ملاحظة ل كرم الصباغ:
فإني أضع هذه الملاحظة في باب النصيحة المعرفية لا الشخصية: قبل محاكمة عمل مثل “أقبية الحلكة” بأدوات الرواية التقليدية، ربما كان من اللازم ل كرم الصباغ العودة أولا لبعض التحولات الكبرى التي عرفتها نظرية الرواية والسرد- لأن النص الذي يختار التجريد، والتشخيص، والحبكة الذهنية، وهيمنة الوعي والصوت الداخلي، لا يمكن إخضاعه ببساطة لمقاييس الرواية الكلاسيكية القائمة على الشخصية الواقعية، والحدث الخارجي، والتتابع السببي، والبداية والعقدة والحل
و عليع، ففي نظرية الرواية الجديدة والمعاصرة يمكن البدء بكتاب ألان روب-غرييه Pour un nouveau roman “نحو رواية جديدة” ولا سيما حديثه عن “المفاهيم المتقادمة” في الرواية وإعادة النظر في الشخصية والحكاية وأشكال البناء الروائي فهو من النصوص الأساسية لفهم الثورة التي أحدثتها الرواية الجديدة على النموذج الموروث ويمكن أن يضاف إليه كتاب ناتالي ساروت L’Ère du soupçon “عصر الشك” ثم عربيا كتاب إدوار الخراط الحساسية الجديدة: مقالات في الظاهرة القصصية”، الصادر عن دار الآداب سنة 1993
أما في التشخيص Personification / Prosopopoeia، فمن المفيد العودة إلى James J. Paxson وكتابه The Poetics of Personification الذي لا يعامل التشخيص بوصفه مجرد زينة بلاغية تمنح الجماد صفات بشرية، وإنما يبحث علاقته بالبناء السردي، وبأنطولوجيا الشخصية، وبقدرة المجرد على التحول إلى فاعل داخل العالم الأدبي.. وهذا مهم جدا قبل الاعتراض على أن يكون (الوقت أو الليل أو العبث) شخصية فقد تناولت النظرية الأدبية الحديثة التشخيص باعتباره بناءً أكثر تعقيدا من استعارة عابرة وناقشت قدرته على جعل المجرد يؤدي وظيفة الفاعل والدال في آن واحد
وفي الحبكة الذهنية أوصيك بكتاب Dorrit Cohn، Transparent Minds: Narrative Modes for Presenting Consciousness in Fiction، الذي يدرس طرائق تمثيل الحياة الذهنية في الرواية، من السرد النفسي إلى المونولوج المقتبس والمونولوج المسرود والمونولوج المستقل وهو مرجع ضروري لمن لا يزال يحصر “الحدث” فيما يقع خارج الذات، لأن السرد الحديث جعل حركة الوعي والذاكرة والإدراك والصراع الداخلي مادة سردية قائمة بذاتها. كما يمكن العودة إلى Peter Brooks وكتابه Reading for the Plot، حيث يعيد النظر في مفهوم الحبكة ويتجاوز اختزالها في مجرد سلسلة ميكانيكية من الوقائع، رابطا إياها بالدافع والرغبة والبنية النفسية التي تنظم السرد
أما ما يمكن تسميته في “أقبية الحلكة” تعالي الصوت الواحد أو المهيمن على تعدد الأصوات فمن الضروري قبل الحكم عليه العودة إلى ميخائيل باختين وبخاصة Problems of Dostoevsky’s Poetics “مشكلات شعرية دوستويفسكي”، لفهم مفهوم البوليفونية والحوارية أصلا فباختين لا يمنحنا قانونا يقول إن كل رواية عظيمة يجب أن تكون متعددة الأصوات، إنه يشرح نظاما مخصوصا من العلاقات بين الأصوات والوعي والشخصيات..ومن هنا يمكن دراسة “أقبية الحلكة” في الاتجاه المقابل- ماذا يحدث عندما يتعالى صوت مركزي، أو وعي سردي طاغٍ وتتحول بقية الأصوات إلى تموجات داخله أو محاورات مع أجزائه وتمثيلاته؟
وفي التجريد ينبغي كذلك التخلص من الاعتقاد بأن افتقاد الشخصية لاسم كامل أو مهنة أو تاريخ اجتماعي يعني افتقادها للشرعية الروائية.. فالتجريد استراتيجية جمالية تستطيع أن تنقل الشخصية من الفردي إلى الكوني، وأن تجعل (الوقت أو الموت العبث أو الليل) حوامل لمعنى يتجاوز الشخص الواقعي.. ودراسة التشخيص الحديثة نفسها تبين أن الكائن المجرد يمكن أن يتحول داخل النص إلى وكيل سردي يجمع بين الفعل والدلالة
ولهذا فإن النصيحة التي يمكن توجيهها إليك ليست أن تحب “أقبية الحلكة”،ولا أن توافق الكاتب، فالنقد لا يقوم على المجاملة وإنما أن توسَع صندوق أدواتك قبل إصدار الأحكام- اقرأ روب-غرييه قبل مطالبة الرواية بحبكة القرن التاسع عشر، واقرأ ساروت والخراط قبل اعتبار التشظي نقصا واقرأ دوريت كوهن وبيتر بروكس قبل اختزال الحدث في الحركة الخارجية، واقرأ باختين وجينيت قبل جعل تعدد الأصوات شرطا للرواية، واقرأ Paxson ودراسات الـProsopopoeia قبل استغراب أن يصبح الوقت أو الليل أو العبث شخصية
فالناقد يتعلم النقد حين يتأكد أن حمله لقالب واحدا وتمريره على جميع النصوص يصنع أزمة.. وكذلك عندما يعرف متى تصبح الأداة القديمة نفسها عائقا عن الرؤية وحين يجد أمامه رواية لا تستجيب للمقياس الذي يحمله فالسؤال العلمي الأول الذي يطرحه -هل أملك فعلا الأدوات التي تسمح لي بقراءتها؟
وليس -ما خطب الرواية؟
وهذه قبل أن تكون نصيحة لقراءة “أقبية الحلكة” هي إحدى أبسط قواعد النقد: لا تسحب النص من بيئته الجمالية لتثبت أنه لا يعيش في بيئتك النقدية وادخل أنت إلى عالمه أولا.. افهم قوانينه ثم انقده من داخلها

– رابط قراءة كرم الصباغ
https://www.google.com/amp/s/alantologia.com/blogs/94126/%3famp=1