لماذا نحب التقاط الصور؟
يتحول الحب أحيانًا إلى هوس، والحقيقة أننا خلقنا معادلاً للعالم يتمثل في ملايين الصور التي التقطها البشر منذ ظهور آلة التصوير الفوتوغرافي.
نعتقد أننا نلتقط الصور لأجل تخليد الذكريات، وهذا ليس خاطئًا، لأنه توجد علاقة بين الصورة والزمن. الصورة تمثل توقيفًا للزمن في لحظة معينة. نختار لحظات محددة لنخلدها في الصور التي نلتقطها. ما نحرره من الزمن يتحول إلى أسطورة.
كل شيء يمضي في الزمن، باستثناء اللحظات التي اقتنصتها عدسة آلة التصوير. الذين صورناهم ثم غادروا الحياة، لم يموتوا تمامًا، لأننا مازلنا نحتفظ لهم بصور وهم أحياء. انظروا إلى وجهه المبتسم. لكن هل كان يدري أن تلك الصورة ستخلده بعد موته؟ عندما نأخذ صورًا لأنفسنا، فنحن نتهيأ للحظة الموت.
يقول رولان بارت في كتابه (الغرفة المضيئة): إن ما تستنسخه الصورة الفوتوغرافية إلى ما لا نهاية لم يحدث إلا مرة واحدة. إنها تكرر ميكانيكيًا ما لا يمكن أن يتكرر وجوديًا.
كل موضوع للصورة هو حادث فريد من نوعه. لحظة وجودية لا تتكرر. تلك البسمة على وجه ذلك الشخص العزيز هي واقعة نادرة ومتفردة. هل يمكن أن نلتقط صورة أخرى للحادثة نفسها؟ هذا يشبه أن تضع رجلك مرتين في النهر نفسه. الزمن لا يكرر نفسه. الصورة تستنسخ ما لا يمكن تكراره. إنها حالة تعبيرية قابلة للاستنساخ على حالة وجودية غير قابلة للتكرار.
مع تطور التقنية، أصبحت آلة التصوير متاحة للجميع في هواتفهم الذكية، وأصبحت منصات التواصل الاجتماعي منصات للصورة. أي أصبحنا نتكلم عبر الصور. لكن ما يميز الصورة هو أنها تنطق أكثر من اللزوم، إنها لا تقول فقط بل تقول كثيرًا. عندما ننظر إلى صورة شخص، فنحن لا ننظر إلى صورة شخص، بل نحن نرى أكثر من ذلك. عندما نضع صورًا على صفحاتنا، فنحن نتكلم أيضًا. نقول: نحن هنا، لكن نحن في كل مكان، طالما أن الذين سيتلقون صورتنا موجودين في كل مكان. توفر الصورة القدرة على الانتشار والتحرر من المكان. لكن هل ينظر الجميع إلى نفس الصورة؟
ما علاقة الصورة بالحقيقة؟ يبدو السؤال إشكاليًا جدًا، لأننا إن قلنا بأن الصورة تنقل الحقيقة، فهذا يثير اللبس، لاسيما في مفهوم الحقيقة نفسها. يقولون: إننا سنصدق ما نراه ولا نصدق ما نسمعه. بمعنى أن الصورة مبدئيًا أكثر التصاقًا بالحقيقة. ما تراه العين هو ما يمكن تصديقه. الأدلة البصرية لا يمكن الطعن في صدقيتها. لكن هل أصبح الأمر كذلك في زمن تعديل الصورة؟ في زمن الواقع المدعم، والواقع المعدل، والواقع الذي يعاد تشكيله أكثر من مرة.
تمنحنا التكنولوجيا القدرة على تعديل ملامحنا، مسح الخلفيات واستبدالها، مسح أشخاص لا نريد أن يظلوا معنا في الصورة… كيف سنسمي كل هذا؟
تعديل الصورة هو تشويه للحقيقة مهما كانت درجة التعديل.
الفلتر هو بمثابة بلاغة الصورة. بلاغة التزييف بحثًا عن جمالية مخادعة، توهم أننا نشبه من في الصورة وليس العكس. هو التحول الخطير في علاقتنا بالصورة، بحيث أصبحت الصورة هي المرجع، وأصبحنا نحن حالة تمثيلية فقط، أطيافًا للصورة فقط.
الصورة ولعبة المعنى -تجربة في التأمل بقلم أ.د لونيس بن علي
FB IMG 1788009848208
