أحب مجالسة الناس، لا لأحصي ما يقولون، ولا لأفتش في حياتهم، بل لأنني أحب الإنسان حين يكون على طبيعته، في حديثه العابر، وفي صمته المفاجئ، وفي تلك التفاصيل الصغيرة التي تمر بين الكلمات دون أن ننتبه إليها.
حديث عن غلاء الأسعار، عن حافلة تأخرت، عن جار غاب، أو عن رجل يعدل قبعته بحركة عصبية ثم يعود إلى كلامه كأن شيئا لم يحدث.
تفاصيل لا تكاد تستحق، في عرف الأيام المسرعة، أن ترفع إليها العين؛ ومع ذلك أشعر أحيانا أن الحياة، حين تعجز عن الكلام عن نفسها، تترك شيئا من حقيقتها في هذه الهوامش التي نعبر فوقها دون انتباه.
أحب تلك المشاهد لأنها تحدث ببساطة شديدة، ثم تمضي. ضحكة، كلمة، تأخر، حركة يد، نظرة سريعة. ينتهي كل شيء، ويعود الناس إلى أعمالهم وبيوتهم، ويواصل العالم سيره كأن شيئا لم يحدث.
لكن بعض المشاهد لا تنتهي حين تنتهي.
تعود معنا إلى البيت.
تجلس في مكان ما من الذاكرة، صامتة، ثم يبدأ الزمن في إعادة ترتيبها. لا يغير ما حدث، لكنه يغير موقعه في وعينا. يجعلنا نرى في الواقعة ما لم نكن قادرين على رؤيته لحظة وقوعها، ويمنح التفاصيل الصغيرة ثقلا لم تكن تعرفه وهي تحدث.
لهذا لا أتذكر المشهد كما رأته عيني فقط، بل كما أعاد الوعي تشكيله.
وهنا تبدأ الكتابة.
ليست استنساخا للواقع، ولا اختراعا لحقيقة بديلة، بل محاولة للإنصات إلى ذلك الفراغ الذي يفصل بين ما قيل وما تعذر قوله، بين ما عاشه الإنسان وما استطاع أن يمنحه اسما.
فالناس لا يروون حياتهم كاملة.
كل واحد منهم يترك في حديثه شيئا ظاهرا، وشيئا آخر يظل معلقا في الصمت. وقد يكون الجزء الأشد إثارة في بعض الحكايات هو ذلك الذي لم يصل إلى اللغة أصلا.
لذلك أرى الكاتب شاهدا يتأخر قليلا عن الآخرين؛ لا لأنه أبطأ منهم، بل لأنه لم يستطع أن يمر فوق المشهد دون أن يتوقف عنده.
هو لا يلتقط الحكاية كي يغلق معناها، بل يترك لها نافذة مفتوحة على الاحتمال.
وهذا، في ظني، أحد أسرار الأدب: أن يمنح الأشياء أكثر من حياة واحدة.
فالمشهد الذي انتهى في الشارع قد يبدأ من جديد في الذاكرة.
والكلمة التي قيلت وانتهت قد تعود بعد سنوات محملة بمعنى لم يكن لها يوم قيلت.
والوجه الذي مر أمامنا دون أن نتوقف عنده، قد يصبح فجأة جزءا من حكاية لا نعرف متى بدأت.
هنا تكمن إحدى مآسي الوجود الصامتة: أننا لا نعرف اللحظة الأخيرة حين نعيشها.
قد نودع إنسانا ونحن نظن أن الغد سيمنحنا فرصة أخرى، ثم يأتي الغد ولا يأتي هو.
وقد نغلق بابا ونحن نعتقد أننا سنفتحه من جديد، ثم نكتشف بعد سنوات أننا أغلقنا خلفه زمنا كاملا من حياتنا.
المأساة ليست دائما في الفقد نفسه؛ أحيانا تكمن في أننا لم نعرف أن ما نعيشه كان لحظة قابلة لأن تكون الأخيرة.
ولهذا تصبح التفاصيل، مهما بدت صغيرة، أكثر من مجرد تفاصيل.
إنها الشواهد التي يتركها الوجود على هامش مرورنا.
وجه مر بنا.
صوت سمعناه مرة.
باب أغلقناه.
طريق لم نعد إليه.
حافلة فاتتنا.
يد صافحتنا دون أن نعرف أنها ستكون آخر مصافحة.
الزمن لا يقتل الأشياء دفعة واحدة؛ يبدأ أحيانا بإقناعنا بأنها لا تستحق أن نتذكرها.
والكاتب لا يستطيع إنقاذ كل شيء من النسيان، لكنه يستطيع أن يبطئ سقوط بعض الأشياء فيه.
أن يلتقط مشهدا كاد أن يضيع.
أن يمنح كلمة عابرة زمنا آخر.
أن يترك لتفصيل صغير فرصة ثانية كي يعيش في اللغة.
وحين نكتب، نكتشف شيئا مربكا: أننا لم نكن نبتعد عن أنفسنا حين كنا نصغي إلى الآخرين.
كنا نقترب منها.
لأن كل إنسان، مهما اختلفت حكايته، يحمل في داخله ذلك السؤال القديم نفسه:
ماذا فعل بنا الزمن ونحن منشغلون بالحياة؟
ربما نحن جميعا حكايات لم تكتمل بعد؛ نروي منها ما نعرف، ونترك للزمن مهمة كشف الصفحات التي لم نكن نعرف أنها موجودة.
ولهذا أحب مجالسة الناس.
لا لأنني أبحث بينهم عن مادة أكتبها، بل لأنني أشعر أن العالم أكثر عمقا مما تسمح لنا سرعة العيش بأن نراه.
أحب تلك الأحاديث التي تبدو بلا أهمية، وتلك الوقفات الصغيرة التي لا يلتفت إليها أحد، وتلك التفاصيل التي تمر أمامنا كأنها لا تعني شيئا.
فربما كانت الحياة تكتب أهم فصولها هناك، في الهامش الذي لا نقرأه.
والكتابة، بالنسبة إلي، ليست أن أضيف حكاية جديدة إلى عالم مكتظ بالحكايات؛ بل أن أبطئ الزمن قليلا، وأن أنحني أمام ما داسه السعي السريع، وأن أترك لما كاد أن ينسى فرصة ثانية كي يتنفس في اللغة.
لا لأقول إنني عرفت الحقيقة.
بل لأقول إنني توقفت أمامها بما يكفي لأدرك أن الحقيقة نفسها قد تكون أوسع من أن يمتلكها أحد.
فالناس يروون ما يبقى في أصواتهم، والزمن يضيف إليه ما لا نراه لحظته، والكاتب يصغي إلى ما تتركه الحياة وراءها.
وبين المشهد والذاكرة، بين ما حدث وما بقي منه، تولد الكتابة.
في تلك المسافة الرفيعة التي لا ننتبه إليها ونحن نعيش، ثم نكتشف متأخرين أنها كانت، ربما، أهم ما مر بنا.
لقد مررت من هنا…
لكنّك لم تكن تعرف أنك لن تعود.
