ليس توقف الناس عن مشاهدة الشاشات أو قرائتهم الأخبار سبب موت الإعلام؛ ربما ماحصل العكس تماماً
بحاضرنا هذا، نحن نعيش وسط أضخم فائض إعلامي شهدته البشرية ومعه نبصر الحقيقة أكثر عزلة من أي فترة نضت.. مات الإعلام أو تجلت أولى علامات الموت حين تأسس السؤال- من يملك الحق في أن يقول لنا ماذا حدث؟ وفرض نفسه بدل- ماذا حدث؟
لأن الحدث نفسه لا يكفي كي يصبح شأنا عاماً، كون الاف الواقع تحصل كل يوم ولكنها لا تدخل الوعي الجمعي.. بينما تُنتزع واقعة يتيمة من سياقها وتوضع تحت الضوء، تُكرر فتُشرح تحت عنوان عريضة وداكن ثم يُجمع حولها الوجوه نفسها في ضيافة فتتحول من مجرد واقعة إلى قضية شائكة تشغل مجتمعاً بكل أطيافه، ومن هنا تتضح ملامح السلطة الحقيقية للإعلام- من نقل الواقع إلى اختيار القطعة التي تصبح واقعاً في أذهان الناس
فمن يملك المنبر ليس بحاجة دوماً إلى تأليف كذبة، يكفيه اختيار الحقيقية التي يريد إظهارها ويترك بقية الحقائق في الظلام- وهذا أخطر من الكذب المباشر
حيث أن الكذب يمكن اكتشافه ومواجهته، أما الحقيقة المنتقاة بعناية شديدة فتظهر بريئة وهي تمارس أكثر أشكال التوجيه مكراً ودهاءً
يستطيع الاعلام أن يعرض حدث سليم تماماً ولكنه يضعه في سياق يجعل منه معنى آخر، وله القدرة على رفع تفصيلة صغيرة إلى درجة القضية الكبرى، ويمكن أن يختزل مأساة كاملة في خبر عابر.. ومن هذه الزاوية لا تتغير الأحداث بالضرورة بينما يتغير وزنها في الوعي؛ ومنه يصبح ترتيب الأخبار مبني للأهمية، وترتيب الأهمية ترتيب للوعي، وترتيب الوعي مقدمة لصناعة الرأي العام!
ومن هنا لا يصبح مالك الوسيلة الإعلامية مجرد مستثمر يملك مؤسسة، أنه بصورة أو بأخرى يملك جزءاً من المشهد الذي يبصر الناس العالم من خلاله.. وبما أنه يقدر على تحديد ما يظهر وما يختفي، ومن يتكلم ومن يُقصى وما الذي ييتكرر وما الذي يُنسى- فإنه يشارك في هندسة حدود الواقع الاجتماعي نفسه
وهنا تقيم مأساة الإعلام؛ حين يصبح الجمهور هدف (ليس بوصفه عقلاً ينبغي احترام حريته وإنما ككتلة ينبغي جذبها وتعبئتها وتوجيهها) يتحول الخبر إلى أداه ولا يصير المطلوب أن يعرف أو يعي المتلقي، الأهم أن يشعر بما ينبغي أن يشعر به ويغضب حين يُطلب منه الغضب ويخاف عندما يُضخ الخوف، يتعاطف وينسى ويكره ويدافع وفق متطلبات البرنامج ورؤى محددة
هكذا، يفقد الإعلام وظيفته ( من وسيط بين الانسان والعالم إلى وسيط بين إرادة المالك ووعي الجمهور)
تكمن خطورة الوضع في مكر السيطرة الحديثة التي تنازلت الأدوات القديمة وعقلية الأمر المباشر.. الأعلام الذكي لايقول لك دوماً- صدّق هذا؛ مكره يتجسد في بناءه أمامك مشهداً تصبح داخله بعض الاستنتاجات شبه حتيمة، تنطلق من اختيار الضيف والصورة والعنوان وتريتب الأسئلة ونبرة المذيع أو المقدم وعدد مرات التكرار..ثم يتركك تصل إلى ” رأيك” وحدك – فتظن أنك اخترت- بينما جرى إعداد مساحة الاختيار مسبقاً
ولهذا فإن صناعة الرأي العام على هامش المعلومة تقوم على إدارة الإنتباه.. ما لا يُعرض طويلاً يخرج من الذاكرة والذي يتكرر مراراً يكتسب وجوداً يتعدى حجمه الحقيقي؛ حيث أن التكرار يصنع الألفة والألفة قد تتحول إلى تصديق و بدوره التصديق المتكرر يتحول مع الوقت إلى ما يشبه الحقيقة الاجتماعية!.. وفي هذه اللحظة تصبح الحقيقة نفسها كائنا هشاً
وهذا ينبع من أنّ الحقيقة تُغير طبيعتها وإنما صورتها العامة هي من تتغير بحسب الزاوية التي تُعرض منها وتتعدى اللغة عمق هذا دورها التقليدي في عملية نقل الحدث فقط فتصبح البطن الذي يعيد خلقه فيصبح من يملك الكلمات يملك جزءاً من معنى الأشياء
لهذا لم تعد الإشكالية الأم في الأعلام المعاصر هي وجود الرأي- لانه لم يكن يوماً منزوع الموقف تماماً، الإشكالية تكمن حين يتنكر الرأي في شكل حقيقة مطلقة وأين تصبح المصالح التي تركن خلف المنبر غير مرئية ..بينما تقدم اختياراته للجمهور كما لو أنها مجرد انعكاس يلوزم بالحيادية للعالم، عندها نكون أمام مؤسسة تقرر له ما الذي يستحق أن يُسمى حدثاً بدل أن نكون أمام إعلام يخبر المجتمع بما يحدث
وإذا أصبح معيار الخبر هو مقدار ما يحققه من تعبئة أو ما يجنيه من تأثير أو مصلحة فإن الإنسان ذاته يصبح في معادلة الانتباه ” رقم” – مشاهد، متابع، ناخب، مستهلك… كتلة قابلة للتحريك ولا يعود الجمهور غاية الإعلام بوصفه صاحب حق في المعرفة حيث يصير مادة الأعلام التي يجري العمل عليها
وهنا يتجسد فعلاً مشهد موت الإعلام
ليس موت الصحيفة ولا موت القناة ولا اختفاء الصحفي أو الإعلامي ولكنه موت الفكرة التي منحت الإعلام معناه- أن يقف بين القوة والناس.. وليس أن يتحول إلى جزء من القوة حيث ينبغي عليه أن يكشف ما يُراد إخفاؤه ولا أن يختار ماينبغي للجمهور أن يراه، وأن يمنح الإنسان أدوات الفهم وليس أن يسلمه رأياً جاهزا ثم يقنعه بأنه رأيه
أذا أصبح الخبر سلعة والأنتباه سوقاً والجمهور هدفاً والمالك صاحب الاتجاه فإنها تتراحع الحقيقة من كونها غاية ألى مادة قابلة للتوضيف
ومن هذه الزاوية ربما يكتسب تساؤلنا مشروعية-
كم من الأشياء التي نعتقد أنها أفكارنا، لم تبدأ أصلاً في عقولنا؟!
