✍️ العاطلون/ خولة بن ساسي –
🖇 الصفحات: ١٤١ صفحة –
«لم أر يوما عبدا عاش عيشتنا هذه ثم مات مبتسما، كلهم يذهبون وهم خائفون، مرتعدون، متشبثون بالحياة التي أفرغتهم من أنفسهم وضحكت ضحكتها عليهم.»
حين تبحر في صفحات رواية «العاطلون» يتكشف لك تدريجيا أن العنوان يتجاوز حدود البطالة بمعناها المادي المألوف ليغوص في عمق أبعد بكثير. العاطلون هنا هم المعطلون عن الحياة، عن السعي، عن العمل، عن الشغف، وعن ابسط محاولات التغيير التي تصنع فارقًا في وجود الإنسان وتدفعه إلى الأمام وفي هذا تحديدًا تتجلى براعة الكاتبة في اختيار عنوان يحمل الوزن الحقيقي للفكرة.
تدور أحداث الرواية في عالم مكبل بعقال التقاليد والموروثات، مجتمت لا يمنح أبناؤه السعادة، ولا يتيح لهم سبل العيش الأفضل، ومع ذلك يظلون أسرى داخله، حتى يخال إليك ألا أحد منهم قادر على الخروج من هذه الدائرة المغلقة أو تحقيق نجاح يذكر.
أكثر ما يبعث على الألم في هذه لتجربة بالنسبة لعارفي شغف الحركة والإنجاز ومتذوقي الحياة بحب هو رؤية هذا الخمود الجماعي، لقد كان مؤلمًا أن أرى شعلة الشغف تنطفئ في أروقة هذا النص، وأن أشاهد كيف خمدت في نفوس الشخصيات دوافع العيش، شعرت. بحزن على الجميع، فكل شخصية تبدو وكأنها تحمل خسارة ثقيلة تعجز عن تجاوزها.
بثينة: ابنة عمار التي تتزوج من مقداد، بينما يظل قلبه معلقا بـ كلثوم (فاقدة البصر)، في زواج خال من أي روح أو صلة.
مروان: الذي يحمل الحقد والحزن، يعيش بالأمل يتزوج حواء، لتتسبب الأخيرة في حادث سير أليم يودي بحياة إنسان ويدخل ابنتهما في غيبوبة طويلة.
وشخصيات أخرى شكلت علاقات المتشابكة، تكشف أمامنا حياة حافلة بالهشاشة، لأناس يساقون قسرًا دون أن يملكوا زمام الاختيار أو القدرة على التغيير.
قد لا تجد في «العاطلون» عناصر التشويق والإثارة بمعناها التقليدي، لكنني لم أرى في ذلك نقصًا، بل وجدته انسجامًا تامًا مع فلسفة النص، فمعالجة الركود والرتابة لا تستقيم مع اللهاث وراء المفاجآت، بل تتطلب هذا الهدوء الخاص الذي جاء انعكاسا دقيقا لحياة الشخصيات وطريقة سرد قصصهم.
أما على الصعيد اللغوي، فتتمتع الكاتبة بقدرة تعبيرية لافتة وجميلة، رغم وجود بعض الأخطاء الإملائية والجمل التي كانت بحاجة إلى مزيد من الصقل، كما توقفت عند بعض الألفاظ التي لا أميل إلى استخدامها أو قراءتها، واستخدامها الكاتبة لخدمة السياق وبناء الأجواء الدرامية. يضاف إلى ذلك خطأ ارجح أنه سقط سهوا وهو ترتيب ألفاظ الأذان، أرجو أن تكون انتبهت إلى ذلك في النسخة المنقحة التي أعلنت عنها مؤخرًا.
كانت هذه الرواية مرآة لأناس تعطلت أرواحهم عن الحياة، رواية تركت في وجداني أثرا من الحزن وأبقت في ذهني سؤالا ملحا يفرضه العنوان: كم يمكن للإنسان أن يعيش، قبل أن يكتشف أنه كان عاطلًا عن الحياة.
💭 اقتباسات:
«تؤجل مواقيت النساء هنا عادة، والآذان التي تسمعها حين تتحدث بفرح، تصم حين تبدأ هي بكشف جراحها، لكي توصم بالنكد وتنتهي الحجة عند هذا.»
«لكنك تفهمني، وتعرف كم أن الأبوة هي قتال مستمر وأننا بعد استلام هذا اللقب نموت ونحيا مجددا كحماة أبدين، وأننا إن فشلنا هنا سنفشل طول الدهر وسنعتقد أن الدنيا تلفظنا وأن الجنة لا تعنينا حتى أننا قد نسير لجهنم طوعا دون الحاجة لملك يلقينا إلى أسفلها.»
«أنا لا أقدر أن أكرهه، عوضا عن ذلك تعلمت كيف أكره نفسي وأهمل نفسي وأقسو على نفسي فكل شرارة كره تندفع نحوه ترتدّ نحوي.»