همست لي الفلسفة ذات مساء، وكان الصمت في الغرفة ثقيلا كالعتب. كنت يومها مثقلا بشيء لم أعرف له اسما؛ كأن نهارا طويلا ترك ظله في صدري، وكأنني عدت من مسافة بعيدة دون أن أغادر مكاني.

لا تبحث عني في صرامة الكتب؛ فقد تجدني في عابر صامت يخفي حزنه، في ضوء نافذة أطفأه الغروب على مهل، وفي سؤال ظل يختنق في حلقك… لا لعجزك عن الإجابة، بل لأنك ترتجف من مواجهتها.

شعرت بقشعريرة خفيفة تسري في جسدي.

أين أجد الحقيقة؟

ابتسامة هادئة مرت على وجهها، كأنها تعرف ثقل السؤال قبل أن تسمعه:

الحقيقة لا تسكن حيث تشير أصابع الواثقين. تتوارى أحيانا خلف ما اعتدت أن تلوذ به من يقين، ولا تخرج إلى النور إلا حين تملك شجاعة الشك؛ شجاعة أن تلمس الجرح دون أن تداريه.

سكت قليلا. كان شيء ما في داخلي يقاوم تلك الكلمات، ربما لأن بعض الحقائق لا تؤلمنا حين نجهلها، بل حين نعرفها ولا نستطيع العودة بعدها إلى ما كنا عليه.

ولماذا نتوه في هذا العمر؟

مالت نحو النافذة، وظلت عيناها معلقتين بآخر خيط من الضوء:

لأننا نسير مأخوذين بخرائط رسمها غرقى قبلنا، ثم نتساءل، حين تبتلعنا المياه، لماذا لم تقُدنا إلى شواطئ أرواحنا.

أحسست بوخزة في صدري. كم من الطرق قطعتها لأن أحدا رسمها لي؟ وكم من مرة ظننت أنني أختار، بينما كنت فقط أكرر ما اختاره الآخرون؟

اقتربت أكثر، وصار صوتها أخف:

لا تخف من الأسئلة التي تهدم ما بنيت من أوهام؛ فبعض الأنقاض ليست مقبرة، بل أرضا خالية تنتظر أن تبني عليها ذاتك من جديد.

للمرة الأولى لم أشعر بالخوف من السؤال، بل من الأشياء التي قد يسقطها السؤال.

والحرية؟ أهي أن أفعل ما أشاء وسط هذا العالم؟

ساد الصمت بيننا. هذه المرة لم يكن ثقيلا كما كان في البداية؛ كان أشبه بمساحة أحتاج إليها كي أسمع نفسي.

ليست الحرية أن تشرع كل الأبواب للريح، بل أن تعرف أيها يستحق أن تفتحه، وأيها يحميك من الضياع. أن تختار طريقك بكامل وعيك، ثم تملك النبل لتحمل وجع الاختيار.

أطرقت رأسي. بدا لي أن الحرية التي كنت أطلبها طويلا لم تكن غياب القيود، بل امتلاك الشجاعة كي لا أختبئ خلفها.

ولماذا يعصرنا الوعي بالوجع؟

تنهدت، وكأن السؤال أعاد إليها ذكرى قديمة:

لأن الجهل نوم طويل تظنه حياة، أما الوعي فيرفع الستار عن أشياء كنت تفضل ألا تراها. ومن رأى النور مرة، يصعب عليه أن يعود إلى عتمته الأولى.

شعرت أن الغرفة اتسعت فجأة، أو أنني أنا الذي ضقت بما كنت أراه حياة. لم يكن الوعي نورا مريحا كما تخيلته يوما؛ كان نافذة تفتحها على نفسك، فلا تستطيع بعد ذلك أن تكذب على المرآة.

والزمن الذي يسرقنا؟

نظرت إلى عقارب الساعة. كان صوتها واضحا هذه المرة، كأنه يطرق شيئا في داخلي:

الماضي أثر لخطوة مضت، والمستقبل غيمة لم تمطر بعد. أما هذه اللحظة، فهي الشيء الوحيد الذي يضعه الزمن بين يديك. فلا تهدرها وأنت تنتظر غدا لم يصل بعد.

ابتسمت بحزن. أدركت كم من عمري أنفقته في استعادة ما انتهى، أو في انتظار ما لم يبدأ.

بقي سؤال واحد. كان أثقل من كل ما سبقه، وأكثر التصاقا بي:

وماذا عنا نحن البشر؟

طال صمتها.

ثم جاء صوتها هذه المرة كأنه يخرج من مكان عميق في داخلي:

نقضي أعمارنا نركض خلف معنى نظنه مختبئا في نهاية الطريق، ثم نكتشف متأخرين أنه كان يتشكل معنا؛ في كل سقوط، وفي كل نهوض، وفي كل مرة رممنا أرواحنا دون أن يصفق لنا أحد.

خفضت عيني. شعرت بدمعة دافئة تنحدر ببطء، لا أدري أكانت حزنا على ما مضى، أم امتنانا لما بقي.

وقبل أن تتلاشى، التفتت إلي:

حررت روحك من سجون الآخرين، فلا تصنع لنفسك سجنا من أفكارك. اترك في يقينك نافذة للشك، وفي معرفتك متسعا للدهشة.

ثم غابت…

ساد الصمت من جديد، لكنه لم يعد الصمت نفسه.

كان في البداية يشبه العتب، ثم صار يشبه الخوف، وانتهى كأنه سلام لم أكن أعرف أنني أبحث عنه.

وبقي صداها يتردد في داخلي:

«كلما ظننت أنك أمسكت بالحقيقة، توقف قليلا… واسأل نفسك:

أم أنك وصلت فقط إلى آخر حدود جهلك؟»

نظرت إلى الفراغ من حولي، وأدركت أنني لم أكن أحاور طيفا غريبا جاء من البعيد، بل كنت أستمع إلى صوتي المنفي؛ إلى ذاتي التي طال اختناقها تحت ضجيج الأيام.

مشيت نحو النافذة بخطى خفيفة.

لم أفتحها لأتحدى الظلام، ولم أغلقها لأحتمي منه.

تركتها مواربة…

دخل هواء بارد، فلامس وجهي كما لو أن الليل نفسه جاء ليهدئ ما تبقى من اضطرابي.

وقفت هناك طويلا.

لم أعد أريد جوابا.

كان يكفيني، للمرة الأولى، أن أحتمل السؤال دون أن أهرب منه.

وخارج النافذة، كان آخر خيط من الضوء ينطفئ ببطء…

أما في داخلي، فشيء ما بدأ يضيء.