تساؤل يبدو بسيطا في ظاهر الأمر، بينما يخفي واحدة من أعقد المسائل في تاريخ الفكر .. فمنذ أول رسمة نقشها الإنسان على ظهر الكهوف لم يتوقف الجدل:د- هل هو الفن الذي بنى الإنسان الواعي، أو أن الإنسان أبدع الفن حتى كان يمتلك من الوعي ما يجعله قادراً على تحويل التجربة إلى لغة ورمز وجمال؟
لو كان الفن وحده قادراً على صناعة الوعي فلكانت أكثر المجتمعات استهلاكاً للفنون أكثرها وعياً..و الواقع يكشف عكس ذل،. العالم اليوم غارق في الصور والأفلام والموسيقى والروايات ومع ذلك تتسع بئر الجهل والتعصب والاستهلاك والانقياد- وهذا يعني أن الفن في حد ذاته لا يمنح الوعي، وإنما يمنح إمكانية الوعي حيث يبقى تحقق هذه الإمكانية رهيناً بعقل قادر على القراءة والتأويل والسؤال
كما لا يمكن في المقابل اختزال الفن في كونه نتيجة للوعي فقط، لان الووعي نفسه يحتاج إلى اللغة التي يتجسد بها والفن هو إحدى أرقى هذه اللغات.. كما هو مرآة تعكس الوعي، كذلك مختبر يعيد تشكيله ويختبر حدوده ويزعج يقيناته، غير أن الفن لا يفعل ذلك إلا إذا تمرد على وظيفة الترفيه وخرج إلى وظيفة الكشف وانتقل هناك.. إلى مساءلة الوجود
الفن الذي ينجبه وعي هش يُنتج مُرغماً زخرفة جميلة تُخفي فراغاً ضخماً.. لكن الفن الذي يفرزه رحم الوعي العميق فإنه تتعدى وصف العالم إلى فضح تناقضاته وإعادة ترتيب أسئلته لذلك لا تكون قيمة العمل الفني فيما يثيره من إعجاب فقط ولكنها تكمن فيما يوقظه من قلق
إن العلاقة بين الفن والوعي ليست علاقة سبب ونتيجة كما هي علاقة جدلية دائمة، فالوعي الحقيقي يلد فناً حقيقيا وبدوره الفن الحقيقي يعيد توسيع حدود ذلك الوعي..ولكن البداية في الأغلب تكون من الوعي؛ حيث أن الفنان لا يستطيع أن يمنح الناس ما لم يمتلكه هو أولاً.. يعني لا يمكن لعين لم ترَ أن تجعل الاخرين يبصرون ولا لعقل لم يسائل ذاته أن يدعو الاخرين إلى مساءلة العالم
وربما من هذه الزاوية يتأسس سؤال اعمق – أي وعي نُطالب الفن أن يبنيه.. إذ الفن نفسه أفرزه وعي مأزوم؟
فالأزمة في غياب الأنسان قبل أن تكون في غياب الفن- في الإنسان الذي يمتلك الشجاعة الفكرية ليجعل من الفن فعلاً معرفيا ويبعده عن كونه سلعة ثقافية.. فعندها فقط يصبح الفن أثراً للوعي ويصبح الوعي في الوقت نفسه الأفق الذي لا يتوقف الفن عن توسيعه.
من يبني من؟ هل الفن يبني الوعي أم الوعي من يفرز الفن؟ … بقلم خليفة عبد السلام
20260903 130152
