هل تمنح الجوائزُ الأدبية الأعمال قيمتها حقا!.. أم أن بعض الأعمال الكبرى هي التي تهب الجائزة معناها وتنتشل اسمها من العابر إلى الخلود؟
ألفنا النظر للجائزة أنها قمة يقف بشرفاتها الكاتب ينتظر اعترافا كما لو أن العمل الأدبي يظل ناقص الوجود حتى تضيئه منصة أو تناديه لجنة أو يُعلق على غلافه شريط عريض يخبر القارئ أنه صار جديرا بالقراءة.. لكن في الواقع هذه الصورة تخفي حقيقة أخرى- الجوائز نفسها لا تولد كبيرة ولا تملك قيمتها من اسمها أاو من المال الذي تمنحه وإنما تستمد وجودها ومكانتها من الأعمال التي تختارها ومن الأسماء التي تقبل أن تقترن بها
فحين تحتفي الجائزة بعمل عابر فهذا لا يرفعها بالضرورة- فقد يكون الأخير أدااة تكشف عجزها ويضعف ثقة القراء في أحكامها، وحين تلتفت إلى النص الحقيقي القادر على البقاء خارج موسم الاحتفال فهي هنا تضيف إلى تاريخها أكثر مما تضيف إلى تاريخ الكاتب..حيث أن العمل العظيم لا يحتاج إلى جائزة كي يصبح أدباً من جهة، ومن جهة اخرى الجائزة تحتاج إلى العمل العظيم كي تصبح مرجعاً
ومن هنا يمكن عكس المشهد وقراءة العلاقة الشائعة بين الطرفين من زاوية مختلفة- لا يقف الكاتب دوماً طالباً الاعتراف من المؤسسة، فالمؤسسة أيضاً تطلب شرعيتها من الكاتب..فحين تضع اسمه في سجلها فهي تراهن على مستقبله لأن بقاءه يعني بقاءها وكذلك سقوطه يفضح هشاشة معاييرها، تاريخ الأدب والفن يسلط الضوء على الكثير من التجارب فكم من جائزة في السياق نُسيت لأن اختياراتها لم تصمد!؟ وكم من اسم بقي حاضراً واستمر رغم أن اللجان تجاهاته أو أخطأت في تقديره!؟ فالزمن في النهاية لجنة لا تقبل المجاملة ولا تتأثر بالعلاقات العامة
الأزمة تنشأ حين تتحول الجائزة من مناسبة للاحتفاء بالأدب إلى ألة لتحديده، وعلى أثر هذا التحول نقد السؤال- ما قيمة هذا النص ..ويحل مكانه سؤال أخر- من فاز؟ ومن رشحه؟ وما مقدار المكافأة؟
وحينها تكون الازمة قد عبثت بالوضع تماما وخلفنت ذهنية موازية؛ حيث يصبح في ظلها القارئ تابعاً للواجهة ويتحول الناقد إلى مفسر لقرار اللجنة والكاتب منشغلاً بصناعة نص يوافق أذواق المحكمين أكثر من انشغاله بمسألة الوجود واللغة والانسان، فتصير هنا الجائزة غير معنية بمنح الاعتراف فقط وإنما في العمق تكون على أهبة اعادة تشكيل الكتابة ذاتها بحيث تدفعها إلى البحث عن الوصفة الأكثر قابلية للتتويج
هذا الهوس انتج تصوراً مضللاً وورط النجاح الأدبي وأوقعه في لبس- فصار بعضهم يتعامل مع الكتابة كسباق موسمي ومع الرواية كملف ترشح ومع القارئ كجمهور يأتي بعد إعلان النتائج، كذلك في العمق أصبحت تتقدم الحسابات على المغامرة و استبدلت ضرورة الكتابة برغبة الفوز وصار يُقاس المُنجز بعدد القوائم الطويلة والقصيرة التي عبرها.. وفي خضم ذلك قد بخير الأدب أكثر عناصره الجوهرية- حريته في أن يكون مزعجاً وأن يكون غريباً وصعباً وغير قابل التصنيف،

لا يعني هذا أن الجوائز بلا قيمة أو أن كل فائز لا يستحق، فالجائزة قد تمنح الكاتب مساحة للانتشار وتتيح للعمل فرصة الوصول إلى قراء جدد وكذلك تلفت الانتباه إلى تجارب ضلت في الظل، لكن الاشكالية الاخطر تكمن في تحويل الجائزة من نافذة إلى محكمة ويتشقلب الوضع من احتمال للقراءة إلى شهادة نهائية في الجودة..فاللجان مهما بلغت خبرتها تظل محكومة بذائقة محدودة وسياق ثقافية وكذلك توازنات مؤسساتية وربما بحسابات لا علاقة لها دائماً مع الأدب
نُضج الجائزة يكمن في وعييها بحدودها حين لا تدعي أنها تصنع الكاتب وأنما تعترف بأنها اكتشفت عملا يستحق أن ترافقه، فأن تمنّ على النص بالضوء فهذه سقطة.. الضوء الحقيقي يأتي من داخل النص، ولا تتعامل مع الفائز كمدين لها لأن اسمه قد يصبح بعد سنوات جزء من رأسمالها الرمزي وربما سيكون السبب الذي يجعل الناس يتذكرونها
لذلك قد يكون السؤال الأجدر بالطرح بعد إعلان أي نتيجة ماذا أضاف الكاتب إلى الجائزة؟ هل منحها اختياره عمقاً ومصداقية؟ هل سيظل عمله حياً بعد أن تنطفئ الكاميرات وتُطوى أخبار الحفل؟ هل ستفتخر الجائزة بعد عقود بأنها عرفته في الوقت المناسب، أم ستتمنى لو أخفت قوائمها القديمة؟
كما يجب الاستغناء بنفس الوقت عن السؤال- ماذا أضافت الجائزة إلى الكاتب؟
الأدب لا يولد على المنصات ولا تنتهي قيمته عند أبواب اللجان وقد تمنح الجائزة اسماً لحظة من الضوء و لكن الكاتب الحقيقي يمنح الجائزة فرصة الخلود. وبين ضوء المناسبة وامتحان الوقت يتضح من كان يحتاج إلى الاخر فعلاً.