يتحرك القارئ بين مقالات النقد الفني المنشورة مؤخراً فيشعر أن الصفحة تتكرر أمام عينيه دون تغيير. ومع تمدد تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي، بدأت أتمتة التفكير تفرغ النص النقدي من محتواه. حيث اصبح طريقة بناء الفكرة ومسار الحجة، وليس مجرد مصادفة لغوية، حتى صار المتابع يتنقل بين نسخ مكررة للنص نفسه.
يشبه الأمر قارئة فنجان تكرر كلام عام مع تغيير بسيط في الصياغة كل مرة. قد يختلف اسم الفنان أو المعرض، لكن الجوهر واحد. يخرج القارئ بانطباع مألوف، دون أن يلامس فكرة جديدة أو تجربة حقيقية.
هذا الطرح لا يعادي الذكاء الاصطناعي كأداة، ولا يقلل من قيمة من يستخدمه بذكاء. الأدوات تتطور وقد تخدم الكاتب والباحث. لكن المشكلة تكمن في تحول المقالات إلى قوالب مسبقة الصنع يمكن توقع مسارها قبل نهاية السطر الأول. من هنا تظهر الحاجة إلى ممارسة نقد آخر يستهدف الخطاب النقدي نفسه.
كثرة الكتابة عن الفن حركة صحية، لكن كثرة المقالات لا تعني تنوع الرؤى. القارئ اليوم يمر على عشرات النصوص ليشعر في النهاية أنه يقرأ المقال ذاته بأغلفة مختلفة.
لا يمكن جزم أن نص ما كتب بالذكاء الاصطناعي بناء على دليل واحد، لكن تراكم القرائن يفرض قراءة أكثر حذر. ولتفكيك هذه الظاهرة بعيداً عن الانطباعات العائمة، يمكن تقسيم أساليب الكشف إلى شقين: شق لغوي، وشق موضوعي.
أولاً الشق اللغوي:
هذا الشق يرصد ما يمكن تسميته الرايات الحمراء (Red Flags) وهي تنبيهات أسلوبية تكشف آلية التوليد الخوارزمي فور النظر في النص:
– العناوين المصنوعة والافتتاحيات الجاهزة، تكرار صيغ مثل:
(عندما، كيف، لماذا، في عصر، بين… و…، ما وراء..) وتظهر الراية الحمراء بوضوح عند محاولة الآلة تقمص دور أكاديمي متكلف، فيرتفع منسوب المصطلحات الضخمة والجافة لإعطاء انطباع زائف بالعمق.
– الروابط النمطية، استخدام مكرر لتركيبات مثل:
في هذا السياق، من هذا المنطلق، يمكن القول. وفي النهاية تظهر العبارات التوافقية الشهيرة: ويبقى السؤال مفتوح، أو الموضوع يحتاج مزيد من البحث.
– التكرار الميكانيكي للنفي والإثبات، الاعتماد المفرط على جمل من نوع:
(ليس… بل… ، لا… وإنما… ، لم يعد… وإنما…)
هذا الأسلوب مشروع في البلاغة، لكن تحويله إلى عادة ثابتة يجعله قالب آلي رتيب ومبتذل من فرط التكرار.
– الثنائيات الجاهزة والإيقاع الرتيب:
بناء التحليل على مواجهات تقليدية (الشكل والمضمون، الذات والآخر، الفن والمجتمع) دون غوص في تفاصيل اللوحة. يرافق ذلك طول متماثل للفقرات والجمل، بينما الكاتب البشري يكتب بنَفَس متقطع؛ يختصر، يستطرد، ويقف عند تفصيل غير متوقع.
– استعراض المفردات دون تحليل، حشو النص بكلمات مثل:
(هوية، بنية، دلالة، خطاب بصري، عمق) لتغطية غياب القراءة الفعلية للعمل.
ثانياً: الشق الموضوعي
إذا كانت القرائن اللغوية تكشف أداة الصياغة، فإن الشق الموضوعي يكشف مدى انقطاع النص عن الواقع المادي للفن:
– الهروب من مادية العمل الفني:
كثرة الصفات على حساب الأدلة. يمتلئ المقال بكلام إنشائي عن المشاعر والرمزية، بينما يغيب التحليل المباشر للتكوين، واللون، والكتلة، وسمك ضربة السكين أو الفرشاة على السطح. في أغلب هذه المقالات، يمكنك تغيير اسم اللوحة واسم الرسام دون أن يختل المعنى.
– الهيكل الفكري الثابت:
السير الدائم في طريق واحد (مقدمة عامة، تعريف، عرض عناصر، موازنة هادئة، ثم خاتمة توافقية). تحول هذا الترتيب إلى خيار يتيم هو دليل أتمتة النص.
– الحياد السلبي وتفادي الموقف: الخوارزمية مبرمجة على السلامة وتجنب الصدام؛ لذا يخلو النص الآلي من أي موقف نقدي حاد. لا تجد فيه رفض صريح لتكوين ضعيف أو نقد لخطأ تقني، بل ميل دائم لإرضاء كل الأطراف.
– غياب الخبرة الميدانية والبصمة الخاصة: غياب القاموس الشخصي للناقد وانحيازاته الذوقية. كما يغيب الأثر الميداني الذي لا تملكه الخوارزميات؛ مثل الانطباع المباشر عند الوقوف أمام اللوحة في قاعة المعرض، أو حوارات المرسم وتجارب المحترفات.

يقف الخطاب النقدي اليوم عند مفترق طرق حاسم. التفكيك المنهجي بشقيه اللغوي والموضوعي يعيد رسم الحدود الفاصلة داخل المشهد؛ فتراكم القرائن يكشف الصياغات الجاهزة، ويعري المصطلحات المنتفخة التي لا تمس مادية العمل الفني. القيمة النقدية الحقيقية تعتمد على البشرية الحية للكاتب، وتتجسد في البصمة الفردية التي تتشكل داخل المحترف عبر الجرأة الذوقية والموقف الصريح. عند هذه النقطة تتوقف حدود التوليد الآلي، وتتراجع النصوص المؤتمتة لتشغل موقعها الطبيعي مجرد صدى خوارزمي مكرر.