العلاقة بين إدوارد سعيد ومحمود درويش كانت أكبر من مجرد صداقة بين مثقف وشاعر فلسطينيين؛ كانت في جانب أعمق منها لقاءً بين طريقتين مختلفتين لسرد الجرح نفسه- سعيد كان يفكك العالم بالمفهوم، ودرويش يعيد تركيبه بالاستعارة.. حيث الأول يسأل كيف تصنع السلطة صورتنا في اللغة والتاريخ، والثاني يسأل ماذا يبقى من الإنسان حين تصبح هويته أكثر اتساعاً ووجعاً من المكان الذي وُلد فيه ولهذا بدت صداقتهما غالباً كالفكرة التي عثرت على قصيدتها، والقصيدة التي وجدت من يمنح ارتباكها اسماً فلسفياً
ضل المنفى المساحة الأكثر عمقاً التي جمعتهما- لكنه لم يكن في نظرهما مجرد ابتعاد جغرافي عن الوطن؛ فدرويش قال في أحد حواراته إن المنفى يمكن أن يوجد داخل الوطن نفسه.. داخل البيت وداخل الغرفة وإنه صار جزء من تكوينه الداخلي، وسعيد قد حول المنفى إلى وضع فكري كذلك- فالمثقف الحقيقي في تصوره يحتاج إلى شيء من الغربة عن الجماعة وعن المسلمات وعن الامتيازات التي تجعل الإنسان يتوقف عن التساؤلات
وهنا تقترب تجربتاهما على نحو مدهش.. فالوطن عندهما ليس مجرد نقطة على الخريطة يمكن الوصول إليها وتنتهي المسألة؛ كيف لا..ودرويش كان يعرف أن الإنسان قد يستطيع أن يعود إلى المكان ولكنه لن يعود إلى الزمن الذي صنع معنى ذلك المكان، فالطفولة لا تنتظرنا في البيت القديم والذاكرة لا تُفتح بالمفتاح نفسه الذي يفتح الباب.. لذلك قال عن العودة إن التاريخ يستمر، وإن العودة إلى المكان لا تعني استعادة ما كان
وسعيد بدوره، قد عاش التمزق نفسه بصيغة أخرى- عربي وفلسطيني يعيش ويكتب داخل الثقافة الغربية.. يتحدث من داخلها وفي الوقت نفسه ينتقد الاليات التي صنعت بها الشرق صورةً تناسب مخيلتها ومصالحها، لم يكن بين عالمين كما لو أنه مضطر إلى اختيار أحدهما؛ لكنه حاول أن يجعل وجوده بينهما أداةً للرؤية.. وربما لهذا كان مفهوم “الطباق” مهماً في فكره( أن تسمع أكثر من صوت في اللحظة نفسها، من دون أن تمحو أحدهما لتستريح إلى الاخر )
هذه الفكرة بالذات ستدخل بعد موته إلى واحدة من أجمل الوثائق التي تركها درويش عن صداقتهما- قصيدة “طباق” التي كتبها في رثاء إدوارد سعيد سنة 2003، درويش لم يكتب مرثية تقليدية.. وبدل أن يستعيد مناقب الصديق ويبكي غيابه، بنى حواراً شعرياً مع سعيد، وكأنما قال للموت لم تنجح تماماً في إنهاء النقاش بيننا. وقد قرأ باحثون القصيدة بوصفها تطبيقاً شعريا لمفهوم “الطباق” نفسه الذي كان سعيد يستخدمه نقدياً- أي أن درويش لم يرثِ صديقه فقط، بل استعان بأداة من أدواته الفكرية كي يرثيه بها..وهذا ربما أكثر ما يكشف طبيعة تلك العلاقة- لم يكن أحدهما تابعاً فكريا للاخر ولكن يجمع بينهما ذلك النوع النادر من الصداقة التي لا تقوم على التشابه الكامل وإنما على قدرة كل واحد منهما على توسيع أسئلة الاخر- سعيد كان يحتاج إلى الشعر كي لا يتحول التاريخ إلى مفاهيم باردة.. ودرويش كان يحتاج إلى الفكر كي لا يتحول الألم إلى بلاغة مكتفية بنفسها
ولعل ما جمعهما أكثر من القضية نفسها هو رفضهما أن تتحول القضية إلى سجن للفكر أو الفن؛ إذ كان درويش شديد الوعي بأن قيمة القصيدة لا تُقاس فقط بالموضوع الذي تدافع عنه، وإنما بالطريقة التي تحوله بها إلى تجربة جمالية؛ حتى إنه قال إن أهمية الشعر لا تكمن في ماذا يقول الشاعر وحده، بل في كيف يقوله.
وفي جهة موازية، كان سعيد يرفض أن تكون التضامنات الجماعية ذريعة لإلغاء النقد؛ فقد رأى أن تقديم “التضامن قبل النقد” ينتهي غالباً بإماتة الوعي النقدي نفسه
ومن هذه الزاوية يتضح أن فلسطين عندهما لم تكن مجرد موضوع للكتابة، حيث كانت مختبراً فلسفيا لسؤال أكبر- ماذا يحدث للهوية حين تُجبر على الدفاع عن نفسها طويلاً؟ هل تبقى بيتاً، أم تتحول إلى حصن؟ وهل يستطيع الإنسان أن يتمسك بذاكرته من دون أن يصبح سجينها؟
كان سعيد يخشى الهويات حين تغلق أبوابها وكان درويش يخشى القصائد حين تتحول إلى بيانات.. فكلاهما أدرك بطريقته أن الإنسان أكبر من التعريف الذي تفرضه عليه المأساة- لذلك تجازوت الكتابة عندهما محاولة إثبات الوجود فقط، وتوحهت لإنقاذ الوجود من أن يُختزل في جرحه
ربما لهذا تبدو صداقتهما الان أكثر من واقعة في تاريخ الثقافة الفلسطينية- لقد شكلت لقاء بين العقل الذي لا يريد أن يفقد حساسيته والشعر الذي لا يريد أن يفقد وعيه..حيث أعطى سعيد المنفى لغةً نقدية، ودرويش أعطاه جسداً وذاكرة وإيقاعاً.. أحدهما كان يسأل العالم عن الطريقة التي يروي بها قصتنا، والاخر كان يعيد كتابة القصة بحيث يصعب على العالم أن يختصر صاحبها في صورة واحدة
وحين مات إدوارد سعيد، لم يجد درويش طريقة لتوديعه سوى أن يعيده إلى الحوار- وكأن الصداقة التي قامت أصلاً على السؤال لم يكن من اللائق أن تنتهي بإجابة ..ولهذا ربما لا تختصر علاقتهما كلمة الصداقة وحدها؛ لقد كان كل واحد منهما وبطريقة ما، اللغة الثانية للاخر.. وفي المسافة بين الاثنين وُلد شيء أكثر بقاءً من الصداقة نفسها
“أن يكون الوطن ذاكرةً من دون أن يصبح سجناً، وأن تكون الهوية حقاً من دون أن تتحول إلى قيد، وأن يكون المنفى مكاناً موجعاً… لكنه يمنح العين أحياناً المسافة التي تحتاجها كي ترى”
