لم يكن مهماً التعجب من الرواية التي يدخل إليها الجسد، ولأنها تتحدث عن الإنسان وتتناوله موضوعاً فتجاهله وتجنب الإقتراب منه يجعلها تتحدث عن نصف إنسان، لذلك الزاوية الأهم والمنطقة الأكثر ازعاجاً هي- لماذا كلما أراد الكاتب العربي أن يجعل الجسد قضية، وجد الطريق إلى جسد المرأة أسرع من الطريق إلى الجسد الإنساني؟
ولماذا أصبح كشف الأنثى في بعض النصوص برهاناً جاهزاً على الجرأة.. بينما يبقى جسد الرجل بضعفه وشيخوخته وعجزه ورغباته ومخاوفه وانكساره أقل حضوراً في هذا النوع من الكتابة!!
هنا تتغير المسألة تماماً، إذ تغادر المساحة الأدبية وتصبح إشكالية في الوعي ذاته الذي يكتب الأدب، حيث أنه حين تدخل المرأة الرواية جسداً ولم تدخلها إنساناً فهذا يثبت أن الكاتب لم يحررها من الرقابة الإجتماعية وأنه نقلها من سلطة إلى أخرى فقط، يكون قد اشتغل على إخراجها من عين المجتمع التي تُخفي جسدها ووضعها تحت عين السارد التي تستعرضه- وبين المنع والسىرد قد يتغير الخطاب، لكن المرأة ذاتها تظل في الحالتين موضوعاً لننظرة تأتي من خارجها! بينما الحرية الأدبية الحقيقية تنطلق عندما يصبح الجسد جزءاً من وعي الشخصية بنفسها.. وليس مجرد مساحة يتفرج عليها القارئ
وقد نمت هذه الإشكالية وتكاثرت وأزدادت تعقيداً حين التقى الكاتب العربي بالثقافة الغربية الحديثة- فقد وجد نفسه وجها لوجه مع أدب سبق إلى تفكيك المحرمات ومساءلة الدين والجنس والأسرة والسلطة والجسد.. لكنه للأسف الشديد لم ينتبه دوماً إلى أن تلك الكتابة لم تظهر فجأةً في الفراغ، بحيث كان خروجها مدوي من تاريخٍ إجتماعي وفلسفي طويل وعريض، وكذلك من تحولات الفردانية ومن الصراع مع المؤسسة الدينية ومن الثورة الجنسية وحتى من أسئلة الحرية والملكية على الجسد.. ولذلك الجسد في كثير من التجارب الغربية لم يكن مجرد “عُري مكتوب” وإنما هو نتيجة سؤال سابقٌ عليه- من يملك الإنسان؟ ومن يملك الجسد؟ ومن يقرر له حدود الرغبة واللذة و الهوية؟
المأزق بدأ وقت أخذ الكاتب العربي النتيجة وترك الطريق الذي أنتجها، حين رأى الجسد ولم يرى الفلسفة التي كانت وراءه وإلتقط المشهد ولم يلتقط السؤال واستعار الجرأة دون أن يستعير شروطها الفكرية.. فتحول ما وُجد في سياقه الأصلي تمرداً على سلطة تاريخية إلى ممارسة كتابية قد لا تتجاوز في سياق آخر حدود الإثارة- وهنا يمكن القول أن الكاتب العربي لم يتغرب لأنه قرأ الغرب.. فالقراءة لا تفسد الهوية، ولكن نتأكد أنه ضاع حين لم يقرأ التجربة كونها سؤالاً ينبغي فهمت وتناولها بوصفها نموذجا يجب نسخه
ومن أبرز المفارقات في الساحة أن بعض الكتابة العربية حين أرادت التحرر من النظرة التقليدية إلى المرأة، إنتهت من حيث لا تدري إلى إعادة انتاجها بصورة معكوسة- فالثقافة المحافظة قد تختزل المرأة في جسد ينبغي ستره.. بينما تختزلها بعض الكتابة المتحررة ظاهريا في جسد ينبغي كشفه، وفي الحالتين يبقى الجسد مركز تعريف المرأة، بحيث تغير الحكم الأخلاقي ولم تتغير البنية العميقة للنظرة- لأن السؤال ظل يدور ويحوم حول جسدها وليس حول وجودها
والأشد التباساً في الوضع، من جهة أخرى الجسد نفسه صار في الغالب وسيلة للحصول على شرعية حداثية.. حتى بدا كأن الكاتب يخشى أن يُتهم بالمحافظة في حال لم يمر بنصه على سرير ما- وهكذا انقلب المسكوت عنه إلى وصفة وتحولت الجرأة من مخاطرة فكرية إلى تقنية سردية يمكن تكرارها.. مع أن مقدار الكشف عن الجلد ليس وعداً أو ختماً يجعل الأدب حداثياً وإنما مقدار ما يكشف من الإنسان- لذلك قد نجد رواية من دون مشهد جنسي أشد تمرداً من أخرى مزدحمة بالأجساد في حالة قدرة الأولى أن تصل إلى منطقة أكثر خطورة من الوعي والسلطة و الخوف والذاكرة
كذلك؛ لايجب في المقابل اختزال الأدب العربي نفسه في كتابة الجسد- لأنه يحمل في داخله مدارس وتجارب نقدت تحويل المرأة إلى موضوع للنظر..وظهرت كتابات نسوية وفلسفة واسعة فككت ما يطلق عليه “النظرة الذكورية” وحاولت استعادة الجسد من السوق والسلطة معاً، لذا المشكلة ليست أن الكاتب العربي أقترب من الغرب- في الواقع غالباً ما يكون اقترابه من أكثر صوره سطحيةً ثم يتوهم أنه وصل ببساطة إلى الحداثة
في الحقيقة لقد أضاع الطريق و الطريقة معاً حين أعتقد أن الحداثة هي أن يكتب ما كان ممنوعاً، وغاب عن وعيه أن يسأل لماذا كان في الأصل ممنوعاً ومن منعه وما الذي يحدث للإنسان حين يسقط المنع؟
والفرق هنا عظيم بين أن تستخدم الجسد كي تكتشف الإنسان.. وأن تستخدم الإنسان كي تصل إلى الجسد
لم يكن ابدا الأدب العربي في حاجة لإخراج جسد المرأة من الرواية.. ولكنه أحتاج فعلا إلى إخراجه من الوضيفة الجاهزة التي وُضع فيها، وأن يرجع إلى صاحبه وإلى خوفه وذاكرته ومرضه ورغبته وشيخوخته وألمه واحساسه بالزمن، وحين يحدث هذا ان يعود جسد المرأة استثناء كثيراً داخل النص ويصير مثله مثل جسد الرجل.. جزءاً من مأساة الإنسان وهو يحاول أن يسكن جسدا يعرف منذ ولادته أنه مؤقت
فالمشكلة ليست في أن الرواية العربية كشفت الجسد أكثر من اللازم و لكن في أنها كشفت منه الكثير ولم تعرف عنه ما يكفي للأسف.
.
