كنت أسمع، مثل كثيرين، أن الفلسفة تقود إلى الإلحاد، وأن من يدخل عالمها قد يخرج منه بلا إيمان. وظل يلحّ عليّ سؤال: هل يكفي التفكير وحده ليجعل المؤمن كافرًا؟ وأي إيمان هذا الذي يحتاج إلى إبعاد الأسئلة عنه ليبقى؟
قبل أن أمضي، أريد أن أنصف الخوف نفسه. فمن يحذّر من الفلسفة لا يفعل ذلك جبنًا دائمًا؛ فكثيرون يخافون على الناس فعلًا، ويعرفون أن الأسئلة الكبيرة قد تدخل على قلب غير مستعد لها، فتحدث فيه ارتباكًا لا يطيقه. ثم إن تراثنا نفسه لم يكن على قلب رجل واحد. فالمتكلمون جعلوا النظر العقلي أصلاً من أصول النظر، وعدّه بعضهم من أول الواجبات. وابن رشد رأى في «فصل المقال» أن الشرع نفسه يدعو إلى النظر في الموجودات. والقرآن يحث على التدبر والتفكر: «أفلا يتدبرون القرآن». لذلك لم يكن الخلاف مجرد مواجهة بين شجاعة وخوف، بل بين تقديرات مختلفة لقيمة السؤال وحدود العقل.
وأحد أوضح الأمثلة التي أدركت من خلالها كلفة السؤال هو الغزالي. فالرجل الذي كتب «تهافت الفلاسفة» هو نفسه الذي روى في «المنقذ من الضلال» عن أزمة شك عميقة مست الحس والعقل، حتى ترك التدريس وغادر بغداد، ثم خرج من أزمته إلى يقين لم يره نتاج البرهان الكلامي وحده، بل رآه عودة للطمأنينة بقذف النور في الصدر.
ومن الجهة الأخرى، لم تكن الفلسفة الغربية مسارًا واحدًا. فقد جعل ديكارت من الشك أداة منهجية لفحص المعرفة والبحث عن يقين لا يقوم على مجرد الموروث. وجاء كانط ليرسم للمعرفة حدودًا صارمة، ويحدد ما يستطيع العقل البرهاني بلوغه وما يتجاوز قدرته. ثم جاء نيتشه بنقده الجذري للدين والقيم السائدة، كاشفًا هشاشة كثير من المعاني الجاهزة، وممهدًا لأسئلة ستظل حاضرة في الفلسفة الحديثة والمعاصرة.
ومع هايدغر عاد سؤال الوجود إلى مركز التفكير: ماذا يعني أن يكون الإنسان موجودًا؟ ومع سارتر وكامو أصبح الإنسان في مواجهة الحرية والعبث والمسؤولية والمعنى، بينما أعاد فوكو مساءلة العلاقة بين المعرفة والسلطة، وكيف يمكن للمؤسسات والخطابات أن تشارك في تشكيل ما نعدّه طبيعيًا وصحيحًا.
وهكذا لم تعد الفلسفة المعاصرة منشغلة فقط بسؤال: ما الحقيقة؟ بل أصبحت تسأل أيضًا: كيف تتشكل الحقيقة؟ ومن يملك حق تعريفها؟ وكيف تتكون ذواتنا وأفكارنا داخل اللغة والتاريخ والمجتمع والسلطة؟
حين وصلت إلى هذه المرحلة من القراءة، بدأت ألاحظ المفارقة.
لو كانت الفلسفة تؤدي حتمًا إلى الإلحاد، فكيف كان بين الفلاسفة مؤمنون؟ ولو كانت طريقًا حتمية إلى الإيمان، فكيف ظهر فلاسفة ملحدون ولا أدريون ونقاد للدين؟
لم تعد المسألة بهذه البساطة.
بدأت أرى أن الفلسفة لا تعطي الجميع النتيجة نفسها؛ إنها تعطيهم شيئًا آخر: الحق في السؤال، وتفرض عليهم كلفة التفكير.
وهنا بدأت تجربتي الشخصية تأخذ شكلًا مختلفًا.
لم أكن أبحث عن الإلحاد لمجرد الإلحاد، ولم يكن هدفي هدم ما أؤمن به. كنت أريد فقط أن أعرف:
لماذا أؤمن؟
وهذا السؤال، رغم بساطته الظاهرة، كان أثقل مما توقعت.
لأن الإنسان يستطيع أن يعيش سنوات طويلة وهو يحمل أفكارًا لم يخترها بنفسه؛ أفكارًا أخذها من أسرته ومجتمعه وبيئته، حتى يعتاد عليها إلى الدرجة التي لم يعد معها يميز بين ما اختاره بوعيه وما ورثه بالعادة.
والفلسفة جاءت بالنسبة إلي كمرآة.
لم تقل لي: اترك إيمانك.
ولم تقل لي: تمسك به.
قالت شيئًا أكثر إزعاجًا:
افحصه.
وهنا فهمت لماذا يخاف بعض الناس من الفلسفة.
ليس لأنها تقود حتمًا إلى الضلال، وإنما لأنها تنقل الإنسان من سؤال:
«ماذا أؤمن؟»
إلى سؤال أصعب:
«لماذا أؤمن بما أؤمن به؟»
غير أن هذه الاستفاقة لا تأتي مجانية؛ فالتفكير الذاتي يحمل في طياته كلفة وجودية باهظة.
عندما تبدأ في فحص أفكارك، تجد نفسك تتنازل شيئًا فشيئًا عن راحة الانتماء القطيعي. تبدأ تشعر بنوع من الغربة الفكرية وسط بيئة تكتفي بالجاهز والموروث. يصبح السؤال عزلة، وتصبح الحرية الفكرية مسكونة بالقلق؛ لأنك لم تعد قادرًا على العودة إلى طمأنينة البدايات الأولى، وفي الوقت نفسه لا ترضى أن تكون مجرد صدى لغيرك.
إنها رحلة شاقة نحو الأصالة؛ أن تكون فاعلًا حقيقيًا في تشكيل تصوراتك، لا مجرد شاشة تنعكس عليها قناعات الآخرين.
لكن هنا يظهر اعتراض أراه جديًا:
ألست أفحص بعقل صنعته أسرتي ولغتي وزمني؟
لقد ذكرتنا تحليلات ماركس وفوكو بأن أفكارنا لا تتشكل في فراغ، وأن التاريخ والمجتمع والسلطة واللغة تترك آثارها في الطريقة التي نفهم بها العالم وأنفسنا. بل قد يكون الشك نفسه موروثًا أو موضة معاصرة؛ فمن يترك دينه قد يتبع مزاج عصره كما يتبع غيره عادة أهله.
وأظن أن هذا الاعتراض يستحق أن يؤخذ بجدية.
فلا أحد يفحص من فراغ مطلق، ولا أحد يبدأ من نقطة محايدة تمامًا. لكن الوعي بهذه الشروط، وإن لم يحررنا منها كليًا، يغيّر علاقتنا بها. فعندما أفهم جذور قناعاتي، يصبح بإمكاني أن أراجعها، وأن أقبل بعضها، وأن أرفض بعضها الآخر، وأن أتحمل مسؤولية ما أختاره منها.
وللفحص ثمن باهظ لا يقتصر على العزلة الفكرية، بل يمتد إلى رعب وجودي صامت: أن تقف فجأة في العراء المعرفي، خائفًا من تسرب المعنى من بين يديك، غير قادر على العودة إلى طمأنينة البدايات الأولى، وفي الوقت نفسه لا ترضى أن تكون صدى لغيرك.
ومع ذلك، لا أقول إن من لم يسلك هذا الطريق الفلسفي أقل صدقًا؛ فقد يكون إيمانه مفحوصًا ومصقولًا بطرق لا تُكتب في الكتب ولا تحتاج إلى اصطلاحات المذاهب؛ كإيمان البسطاء الذي تعمّق بالصبر، والمكابدة الحية، والتعامل المباشر مع ألم الحياة وابتلاءاتها.
كما أن الشك ليس كله صحيًا، وبعض الأسئلة تُبنى على مقدمات خاطئة، وبعض الاستدلالات تقود إلى نتائج لا تلزم عنها.
لكن المشكلة الحقيقية، في نظري، تبدأ حين نرفض التفكير ونخشى المواجهة، ثم نسمي ذلك الخوف يقينًا.
لا أدّعي أنني بلغت نهاية الطريق. بالعكس، كلما قرأت أكثر، عرفت كم كنت أجهل، وكلما اتسعت الأسئلة، ازددت اقتناعًا بأن الاعتراف بحدود معرفتي أقرب إلى الصدق من ادعاء امتلاك الحقيقة.
وقد لا يكون الإيمان بحاجة إلى المرور من الفلسفة كي يكون عميقًا، لكن الإنسان الذي اختار طريق الفحص عليه أن يتحمل كلفته، وأن يقبل بأن بعض ما كان يراه يقينًا قد يحتاج إلى إعادة نظر.
ربما الفلسفة لا تأخذ منك إيمانك، بل تأخذ الإيمان الذي لم تفكر فيه.
وما يبقى بعد ذلك، إن بقي، يصبح أكثر وعيًا، وأكثر شخصية، وأكثر مسؤولية.
وربما هنا يبدأ الإنسان في امتلاك أفكاره…
بدل أن تكون أفكاره هي التي تمتلكه.