الفنان علي عباس هو فنان تشكيلي عراقي بارز يعيش ويستقر في أستراليا. تعكس أعماله وأسلوبه، والتي تميل غالباً نحو التعبيرية والتراجيديا التعبيرية، الموروث الثقافي العراقي وتجارب الاغتراب والمهجر.
أقام وشارك في العديد من المعارض الفنية الفردية والجماعية داخل أستراليا وفي صالات عرض عربية وعالمية بارزة (مثل معارضه الشهيرة التي سلطت الضوء عليها الصحف والنقاد مثل لوحته ومعرضه “حمار يحمل مدينة.
يُشكل الفن التشكيلي المعاصر في العراق فضاءً رحباً لتسجيل الذاكرة واستنطاق التاريخ، وتبرز تجربة الفنان علي عباس كواحدة من أبرز التجارب التي أعادت صياغة المفردة البصرية العراقية بروح تجمع بين الأصالة والحداثة التعبيرية.
ملامح أسلوبه الفني بين دفء اللون وحرارة الانطباعية إذ تتأسس لوحات الفنان علي عباس على مساحة لونية حارة ونابضة بالحياة، تستلهم درجاتها من قسوة المناخ ودفء الطبيعة العراقية. يبرز اللون الأصفر الترابي والخردلي كعنصر مهيمن يحاكي جدران البيوت الطينية وعراقة الأزقة القديمة، ليمتزج بتناغم لافت مع الأزرق الفيروزي والنيلي الذي يعكس شواطئ نهر دجلة وفن عمارة الشناشيل بسحر زخارفها الرصينة.
ولا يتوقف الفنان عند النقل الواقعي، بل يدمج الحساسية الانطباعية والتعبيرية في معالجة الأسطح فهو يعتمد على ملمس خشن وطبقات لونية متراكمة تمنح العمل عمقاً تاريخياً، كأن اللوحة جدار مقتطع من مدينة أثرية عريقة شهدت تعاقب الأزمنة.
ينطلق الفنان من مخزون هائل للذاكرة الشعبية، حيث تتحول تفاصيل الحياة اليومية البسيطة إلى طقوس احتفالية فوق سطح القماش.
تظهر الشناشيل البغدادية بفتحاتها الخشبية المعقدة، و”المشحوف” الفراتي وهو يشق تموجات الماء، لتشكل مسارح بصرية تحكي قصص النهر والنخيل. كما يبرز الحضور الواعي للحروف العربية والخط الشعبي كعنصر تشكيلي وتجريدي في آن واحد، تتوزع العبارات التراثية والدينية العفوية (مثل عبارة “يا الله”) بين ثنايا الكتل اللونية لتضفي مسحة من الروحانية والارتباط العميق بالوجدان الشعبي.
الرموز والدلالات في أعمال الفنان علي عباس من خلال استخدام رموز متجذرة في الهوية العراقية:
1. المرأة العراقية (رمز الأرض والخصوبة): وغالباً ما تتوسط الكتل بصورتها التراثية كحاملة للزير أو القارب، لتجسد الصبر والثبات وعطاء الأرض الأبدي.
2. النخلة: التي تظهر بأسلوب مختزل أو رمزي لتعبر عن الشموخ والامتداد والارتباط العضوي بتربة الوطن.
3. الهلال والنجوم: وهما رمزان يختزلان سكون الليل العراقي، وشجن البادية والأهوار.
4. السمكة (أو رمز السمكة ودلالاتها النهرية): تحضر السمكة، ولا سيما “الشبوط” أو الأسماك النهرية المرتبطة بنهر دجلة، كرمز للخير والرزق والوفرة المرتبطة بحياة الأهوار والبيئة المائية العراقية، وغالباً ما تظهر مدمجة في التكوينات الزخرفية أو محمولات القوارب.
5. الزير أو الجرة الفخارية: تظهر الجرار والأواني المصنوعة من الفخار كرمز أصيل للبيئة العراقية التقليدية، وهي هنا لتدلل على النقاء، والاحتواء، والارتباط بالأرض والطين الأولي للإنسان الرافدي.
6. السلم أو الدرج الصاعد: يتردد رمز السلم أو درجات الزقورات المصغرة في بعض اللوحات، وهو رمز محمل بأبعاد روحية وفلسفية تعكس التطلع نحو الأعلى، والصعود الروحي، والتواصل بين الأرض والسماء متأثراً بعمارة المعابد السومرية والبابليّة العريقة (الزقورات).
بهذه الأدوات، ينجح الفنان علي عباس في خلق عالم فني متفرد، لا يُعنى فقط بجماليات التشكيل، بل يشتغل كذاكرة بصرية حية توثق هوية التراث ، وتصهر الوجدان العراقي في قوالب فنية عالمية البعد والإيقاع.












