ليس الجهل أن يجهل الإنسان شيئاً؛ فالإنسان يولد وفي يديه مساحة شاسعة من المجهول، وقد يكون الجهل، في صورته الأولى، الرحم التي يولد فيها السؤال. فكل معرفة بدأت ذات يوم باعتراف بسيط: «لا أعرف».
لكن الخطر يبدأ حين لا يعود الجهل نقصاً في المعرفة، بل يتحول إلى موقف منها.
هناك فرق بين إنسان يقول: «لا أعرف»، وآخر يختار ألا يعرف. الأول يقف على عتبة البحث، أما الثاني فيسعى جاهداً لترسيخ المسافة التي تفصله عنه. عندها يتنحى العقل عن وظيفته الاستكشافية، ليتحول إلى حارس مدجج باليقين يحمي قناعة لم يختبرها قط.
والإنسان لا يخاف الجهل دائماً؛ أحياناً يخاف المعرفة، وفي أحيان أخرى يجد في الجهل تجارة رابحة.
كلفة الحقيقة وثمن الامتيازات
المعرفة لا تضيف إلى الوعي معلومات فحسب؛ بل قد تنتزع منه راحة اعتاد الاحتماء بها. قد تجبر المرء على مراجعة فكرة ورثها، أو الاعتراف بخطأ، أو تغيير سلوك كلفه سنوات من البناء.
ولهذا يبدو الجهل أحياناً خياراً مريحاً ومثمراً.
لكن الخوف ليس المحرك الوحيد لحراسة الجهل؛ فهناك المصلحة أيضاً.
حين دافع جاليليو عن النموذج الكوبرنيكي، لم يكن الخلاف مجرد مسألة فلكية حول حركة الأجرام السماوية؛ فقد مس أيضاً بنية معرفية راسخة، وتقاطعت معه سلطة فكرية ودينية كانت ترى في النموذج السائد جزءاً من النظام الذي يمنحها مشروعية واسعة. ولم تكن مقاومة أفكاره كلها ناتجة عن سبب واحد؛ فقد اختلط فيها الديني بالعلمي والمؤسسي والسياسي، وهو ما يجعل القضية أكثر تعقيداً من مجرد صراع بين «العلم» و«الجهل».
وعلى مستوى الحياة اليومية، قد يعلم طبيب بوجود ممارسة علاجية غير دقيقة لكنها شائعة ومربحة، فيتجنب التعمق في الدراسات الجديدة حتى لا يجد نفسه أمام مسؤولية تغيير عاداته المهنية. وقد يكتشف رجل أعمال أن جزءاً من أرباحه مرتبط بظروف استغلالية، فيتجنب التعمق في تفاصيل سلسلة الإنتاج حتى لا يضطر إلى مواجهة ما قد يترتب على المعرفة من كلفة.
هنا لا تكون «لا أعرف» مجرد حدود في الفهم؛ قد تصبح وسيلة لتجنب كلفة التغيير، وحماية مصالح رمزية أو مادية.
فقد يرفض الإنسان الحقيقة لا لأنها ضعيفة، بل لأنها تطالبه بشيء.
وهذه إحدى مفارقات المعرفة: أحياناً لا يكون السؤال مخيفاً بسبب ما يكشفه، بل بسبب ما قد يطالبنا به بعد أن نعرف.
كيف يُصنع السجان؟
يبدأ تشكيل حراس الجهل مبكراً عبر التنشئة المدرسية والاجتماعية.
حين يسأل طفل عن سبب قاعدة تنظيمية أو فكرة اجتماعية، فيسمع: «احفظ ولا تناقش»، فهو لا يتلقى المعلومة وحدها؛ بل يتعلم ضمنياً أن بعض الأشياء تؤخذ كما هي، وأن السؤال قد يكون تجاوزاً.
وفي الأسر، قد تتحول العادة التاريخية إلى حجة صلبة، فيُرفع الموروث إلى مرتبة الحقيقة لمجرد قدمه، لا بسبب قدرته على الصمود أمام الفحص والمساءلة.
والفكرة لا تصبح صحيحة لأنها قديمة، ولا خاطئة لأنها جديدة؛ قيمتها في قدرتها على الصمود أمام السؤال.
ثم يكبر الإنسان، فيندمج رأيه الفكري بانتمائه الوجودي. يدافع عن فكرته لأنها أصبحت جزءاً من صورته عن نفسه، ويدافع عن جماعته لأنها تمنحه شعوراً بالانتماء والقبول. وحين يقرأ نصاً يخالفه، قد يدخل إليه باحثاً عن ثغرة يهدمه بها، لا عن فكرة يمكن أن توسع رؤيته.
وقد تدفعه بعض التحيزات المعرفية إلى البحث عن المعلومات التي تؤكد معتقداته، وإلى منح الأدلة المخالفة وزناً أقل مما تستحق.
وحين تصبح مراجعة الفكرة شبيهة بخيانة الذات، يتغير السؤال داخل العقل من:
«هل هذا صحيح؟»
إلى:
«كيف أحمي ما أؤمن به؟»
وهنا يبدأ التحول الهادئ من البحث عن الحقيقة إلى الدفاع عن الهوية.
غرف الصدى وتزييف الوفرة
لا يكتفي الجهل بحماية الذات، بل قد يجد في البيئة المحيطة ما يعزز وجوده.
في الفضاء الرقمي، لا تحتاج المعلومة المربكة دائماً إلى أن تُمنع كي تختفي؛ يكفي أن تُحاط بمحتوى يوافقها أو يوافق مزاج المتلقي. يتابع الإنسان الصفحات التي تؤكد أفكاره، وتعمل أنظمة التوصية على تقديم المزيد من المحتوى المشابه، فينظر حوله فيجد أصواتاً كثيرة تكرر الفكرة نفسها.
عندها قد يختلط انتشار الرأي بصحته، ويتحول التكرار إلى ما يشبه الدليل.
وهذه إحدى مفارقات عصر المعلومات: الوفرة في التداول لا تعني بالضرورة اتساعاً في المعرفة.
قد يقرأ الإنسان عشرات العناوين ويشاهد مئات المقاطع، ثم يخرج بإحساس قوي بأنه يعرف، بينما لم يفحص مصدراً أصلياً، ولم يقرأ السياق، ولم يقارن الأدلة.
المعلومة تمنح الوعي مادة، أما المعرفة فتحتاج إلى فحص وتركيب وتمييز.
ولهذا لا يكفي أن نسأل: «ماذا يقول هذا الادعاء؟»
بل ينبغي أن نسأل أيضاً:
«من أين جاء؟ وما الدليل عليه؟ وما الذي لا يثبته؟ وما الذي ربما سقط من الصورة؟»
الأرشيف والسلطة: هندسة ما يظهر وما يختفي
تتجاوز حراسة الجهل البعد الفردي لتلامس طريقة تشكل الذاكرة الجماعية.
فالسيطرة على المعرفة لا تعني دائماً اختراع الأكاذيب؛ قد تتشكل أيضاً من خلال التحكم في ما يصل، وما لا يصل، ومن يملك الوثيقة، ومن يملك حق رواية الحدث.
قد تحفظ المؤسسات بعض الوثائق بعناية، بينما تضيع شهادات أخرى بسبب الإهمال أو غياب وسائل التوثيق أو تغير الظروف السياسية والاجتماعية. وقد تظل رواية الطرف الأقوى أكثر حضوراً في الأرشيف من رواية من لم يمتلكوا القدرة على الكتابة أو الحفظ أو الوصول إلى المؤسسات.
لذلك لا يكفي أن نسأل:
«ماذا تقول الوثيقة؟»
بل ينبغي أحياناً أن نسأل:
«ماذا غاب عنها؟ وكيف غاب؟»
فما يظهر في تاريخ الأمم والمؤسسات ليس بالضرورة كل ما حدث، بل ما سمحت عمليات الحفظ والاختيار والتوثيق والتفسير بأن يبقى قابلاً للظهور.
وهنا تصبح دراسة الماضي بحثاً في الموجود، وفي الغائب أيضاً.
الشك حين يتحول إلى حارس للجهل
إذا كان الجهل التقليدي يحتمي أحياناً باليقين المغلق، فإن له شكلاً أكثر دهاء: إغراق الحقيقة في الشك.
الشك المنهجي، كما يظهر في المنهج الديكارتي، لا يهدف إلى إلغاء المعرفة؛ بل إلى اختبار ما نظنه معرفة، وتمييز ما يمكن الوثوق به عما يحتاج إلى مراجعة.
أما الشك الذي يتحول إلى نسبية مطلقة فيقول: «كل شيء مجرد وجهة نظر، ولا يمكن معرفة شيء على نحو معتبر».
عندها يتساوى الدليل الموثق مع الادعاء العابر، والعلم مع الخرافة، والبحث مع الانطباع.
وهنا تظهر مفارقة خطيرة: قد يتحول الشك نفسه إلى وسيلة للهروب من مسؤولية التمييز.
هناك فرق بين أن يقول الإنسان:
«قد أكون مخطئاً، فلنختبر.»
وأن يقول:
«بما أنني قد أكون مخطئاً، فلا شيء يستحق الاختبار.»
الأولى بداية للمعرفة، والثانية قد تكون طريقة أخرى لحماية الجهل.
فالتواضع المعرفي لا يعني تعليق العقل، كما أن الشك لا يصبح فضيلة لمجرد أنه شك. قيمته تتحدد بما يفعله بعد السؤال: هل يفتح الطريق إلى الفحص، أم يغلق الطريق أمام كل نتيجة؟
مواجهة السجان الداخلي
كسر حراسة الجهل ليس قرارات سهلة؛ لأن مراجعة القناعة لا تتعلق بالفكرة وحدها، بل بما ارتبط بها من هوية وذاكرة وانتماء ومصلحة.
أن تراجع قناعة عشت بها سنوات يعني أحياناً أن تتقبل سقوط جزء من الصورة التي صنعتها عن نفسك، وأن تخاطر بمسافة بينك وبين بيئة اعتدت أن تمنحك القبول.
ولهذا فالاختبار الحقيقي للنزاهة الفكرية ليس في القدرة على التغلب على الخصم في مناظرة، ولا في العثور على الثغرات في أفكاره، بل في القدرة على متابعة الدليل حتى النهاية، حتى لو قادك إلى نتيجة لا ترغب فيها.
أن تسمح للحقيقة بأن تصححك، لا أن تستخدم معرفتك كي تمنعها من الوصول إليك.
ولهذا تظل عبارة «لا أعرف» من أشجع العبارات معرفياً.
هي ليست فراغاً، بل اعتراف بحدود المعرفة، ورفض لملء الفراغ بالوهم. فالطبيب الذي يقول إن المعطيات لا تكفي للتشخيص، والباحث الذي يرفض الحسم قبل اكتمال الأدلة، والأستاذ الذي يقول لتلميذه «لا أعرف، فلنبحث معا»، يمارسون جميعاً شكلاً من أشكال النزاهة الفكرية.
فالاعتراف بحدود المعرفة لا ينتقص من العقل؛ بل يحميه من ادعاء ما لا يملك.
كسر الحراسة
كسر حراسة الجهل لا يكون باستبدال يقين بيقين، ولا بتحويل الشك إلى عقيدة.
يبدأ بأن يقرأ الإنسان الرأي المخالف لفهمه قبل نقده، ويفصل بين قيمة الفكرة وانتماء صاحبها، ويميز بين الواقعة وتفسيرها، وبين الدليل والانطباع، ويمتلك شجاعة التخلي عن فكرة حين يثبت ضعفها.
فالحرية الفكرية لا تبدأ حين نختار ما نعتقد، بل حين نملك القدرة على مراجعة ما اعتقدناه.
ليس أخطر ما في الجهل أن الإنسان لا يعرف؛ فالذي لا يعرف يستطيع أن يتعلم.
الخطر أن يعرف قليلاً، ثم يجعل من القليل الذي يعرفه حدود العالم.
عندها يبدأ العقل في بناء حصان طروادة داخله: فكرة تبدو حامية له، بينما تتسلل من خلالها قناعات لم يفحصها. سؤال يخشى الاقتراب منه، وموروث لا يسمح بالمراجعة، وانتماء يخاف النقد، ومعلومة مبتورة، وضجيج يغطي على البحث.
ومن هذه العناصر الصغيرة قد يتشكل سجن لا يحتاج إلى قضبان.
فالجهل لا يحتاج دائماً إلى سجان خارجي؛ أحياناً يكفي أن يمنح الإنسان مفتاح سجنه لنفسه، ثم يقف خلف الباب يحرس عتمته، وهو يظن أنه يحرس الحقيقة.
وربما كان السؤال الأعمق ليس:
«ماذا أجهل؟»
بل:
«ما الذي أخشى أن أعرفه؟»
فقد تكشف الإجابة أن بعض ما نسميه جهلاً ليس غياباً للمعرفة، وإنما خوفاً من ثمنها.
حراسة الجهل -حين يصبح العقل سجاناً لما لا يعرف… بقلم أ.عبد العالي لعجايلية.
IMG 20260928 WA0012
