على الحدود الفرونكوبلجيكية- في فالونسيان- شمال فرنسا، لا يبدو النحت مجرد فن محفوظ داخل قاعات المتاحف.. وإنما جزءاً من الطريقة التي اختارت بها المدينة أن تحفظ صورتها عن نفسها؛ فالتماثيل موزعة في الساحات والحدائق وعلى امتداد الشوارع، حتى إن مكتب السياحة المحلي يقدم فالونسيان على أنها “متحف في الهواء الطلق” فيما تشير وثائق سياحية حديثة إلى وجود نحو 85 عملاً نحتياً في فضائها الحضري- حيث لا يحتاج الزائر دائماً إلى دخول متحف كي يبدأ قراءة تاريخ الفن و يكفي أحياناً أن يمشي في المدينةمترجلا ليستمع
هذه العلاقة بالفن ليست وليدة القرن التاسع عشر، فقد استفادت فالونسيان منذ قرون من موقعها التاريخي داخل فضاء هينو ومن قربها من المراكز الفنية الكبرى في الأراضي الفلمنكية، فكانت خلال القرنين الخامس عشر والسابع عشر على صلة بمدن مثل بروج وأنتويرب وبروكسل.. ومع مرور الزمن لم تعد المدينة تستقبل التأثير الفني فحسب، وإنما بدأت تنتج أسماءها ومدارسها وذاكرتها الخاصة، وهو ما سيجعل الفن يتحول تدريجياً من حضور ثقافي إلى أحد مكونات هوية المدينة
وكان القرن الثامن عشر منعطفاً أساسياً في هذه المسيرة؛ فمن فالونسيان خرج “أنطوان واتو Antoine Watteau” أحد الأسماء الكبرى في تاريخ الرسم الفرنسي وصاحب التأثير الحاسم في فن الـ fête galante ومن ثم ظهرت في أواخر القرن نفسه أكاديمية للرسم والنحت.. لتتحول المدينة إلى فضاء لتكوين الفنانين لا مجرد مكان لولادتهم. وفي القرنين التاسع عشر والعشرين سيحصل عدد كبير من فناني فالونسيان على “جائزة روما Prix de Rome” وتحصي وثائق متحف المدينة واحداً وعشرين فائزاً مرتبطين بها وهو أحد الأسباب التي جعلت لقب “أثينا الشمال” يلتصق بفالونسيان في خطابها الثقافي.. غير أن الوجه الأكثر وضوحاً لهذه الذاكرة يبقى النحت، خصوصاً مع “جان باتيست كاربو Jean-Baptiste Carpeaux” المولود في فالونسيان سنة 1827- والذي أصبح أحد أهم نحّاتي فرنسا في القرن التاسع عشر.. وحصل الأخير على الجائزة الكبرى لروما في النحت سنة 1854- وبعدها عاد بعلاقته مع مدينته إلى ما يتجاوز مجرد الانتماء الجغرافي.. ففي سنة 1863 قدّم إليها عمله الشهير “أوغولينو وأبناؤه Ugolin et ses enfants” ومع مرور الزمن تكوّن في فالونسيان أحد أهم الأرصدة المخصصة له والذي يضم قرابة مئتي منحوتة ونحو خمسين لوحة وآلاف الرسوم، إلى جانب أعمال نحاتين آخرين من أبناء المنطقة مثل غوستاف كروك وهنري لومير
ولعل خصوصية فالونسيان تكمن في أنها لم تحبس هؤلاء الفنانين داخل قاعة العرض؛ فقد أعادتهم إلى الشارع- في ساحة كاربو ينتصب نصب للنحات أنجزه الفنان الفالونسياني “فيليكس ديرويل Félix Desruelles” بينما تظهر أعمال وتماثيل أخرى في حي سان نيكولا، وساحة سان جيري، وMail Watteau ومتنزه Prix de Rome.. حتى نافورة واتو تدخل ضمن هذا الحوار بين الرسم والنحت والمدينة، وكأن فالونسيان اختارت أن تجعل أسماء فنانيها علامات جغرافية أيضاً، فلا يعود الفنان شخصية من الماضي بقدر ما يصبح جزءاً من الطريق الذي يسلكه السكان يومياً
ويتكثف هذا التاريخ داخل متحف الفنون الجميلة- المعروف اليوم باسم متحف الفنون والآثار في فالونسيان، حيث تمتد المجموعات من الآثار إلى الفن الحديث وتلتقي أعمال روبنس وفان دايك وواتو وكاربو وغيرهم.. المبنى الحالي شُيد في مطلع القرن العشرين ليمنح هذه الذاكرة فضاء يليق بها، وقد أصبح هو نفسه جزءاً من التراث المعماري للمدينة.. إذ شملت الحماية التاريخية واجهاته وأسقفه وجسمه المركزي. وحتى في لحظة تجديده، تبدو المدينة وكأنها لا ترمم مبنى فحسب، بل تعيد ترتيب علاقتها بتاريخها الفني
واللافت أن هذا الامتداد لم يتوقف عند تماثيل القرن التاسع عشر.. ففالونسيان ما تزال تستضيف اليوم تجارب في الفن المعاصر والنحت، ومن ذلك نشاط مركز L’H du Siège الذي استضاف في خريف 2026 معرضاً للنحات الألماني “غوتس أرندت” قائماً على الحجر والفضاء والضوء.. وفي الوقت نفسه تستمر المدينة في تطوير مسارات تربط النحت بالمشهد الحضري، مثل Promenade des Arts وهو مسار يمتد عبر مجموعة من المحطات ويقود الزائر بين الأعمال الفنية وتاريخ أصحابها
وهكذا يمكن قراءة فالونسيان من خلال النحت كما يمكن قراءة مدينة أخرى من خلال شوارعها أو أبنيتها- لأن الحجر هنا لم يُستخدم فقط لصنع الجمال.. وإنما لتثبيت الذاكرة- من واتو إلى كاربو.. ومن أكاديميات الفنون إلى الحاصلين على جائزة روما.. ومن قاعات المتحف إلى التماثيل المنتشرة في الحدائق والساحات- تشكَل الفن على مدى قرون باعتباره أحد الخيوط التي حافظت بها المدينة على استمراريتها الثقافية وحتى اليوم، في أواخر سبتمبر 2026، ما يزال الموقع الرسمي للمتحف يعلن إغلاقه بسبب أعمال التجديد، بينما تستمر الأنشطة والمعارض خارج جدرانه.. وكأن تاريخ الفن في فالونسيان يؤكد مرة أخرى أن المتحف الحقيقي لم يكن مبنى واحداً في يوم من الأيام، بل المدينة نفسها.


























