لا تتجسد مأساة الثقافة في لحظة توقفها.. فالتوقف يمكن رؤيته وقياسه- المأساة في واقعها تنطلق من كثرة تحركها دونما أن تذهب إلى أي مكان كان- حين تمتلئ القاعات بالندوات والملتقيات والتكريمات وتتزاحم الأسماء والصور والمنشورات.. بينما يظل الوعي مقيماً خارج كل هذا الصخب تقريباً كما كان، لا تهزه فكرة ولا تربكه مساءلة ولا تدفعه الثقافة إلى إعادة النظر في ذاته وفي العالم الذي يعيش داخله
من هنا يصبح الفصل بين النشاط الثقافي والفعل الثقافي ضرورة نقدية- لأنه قد يتحول النشاط بسهولة إلى طقس اجتماعي يعيد إنتاج الوجوه نفسها واللغة نفسها والمجاملات نفسها- في حين لا يبحث الفعل الثقافي عن اكتمال المناسبة بقدر ما يبحث عن خلخلة اليقين وصناعة أثر يستمر بعد انطفاء الأضواء.. فالنشاط يريد جمهوراً حاضراً، أما الفعل فيريد وعياً لا يعود إلى مكانه القديم بعد انتهاء الحدث
حين يفقد المشهد الثقافي هذه المسافة يبدأ في الخلط بين الحركة والحياة، فيتصور أن كثرة المناسبات دليل صحة، وأن تكرار الظهور علامة تأثير.. مع أن الثقافة قد تصبح في هذه الحالة أكثر فراغاً كلما ازدادت ازدحاماً وهرجاً، وحين تتحول المنصة إلى غاية ويتحول الاسم إلى مشروع وكذلك الصورة إلى شهادة وجود، يصبح المثقف نفسه جزءاً من المشكلة التي يدعي مقاومتها- لأن الثقافة صارت عنده وسيلة لتثبيت موقعه داخل المشهد بدل أن تكون فعلاً لتحرير الوعي
في الواقع، الفعل الثقافي الحقيقي أكثر قسوة من ذلك- لأنه لا يهادن المجتمع ولا يكتفي بتجميل صورته وكذلك لا يحول الثقافة إلى حفلة طويلة من التصفيق المتبادل؛ لكنه يفتح الجرح الذي تحاول الجماعة إخفاءه ويسأل عن أسباب العجز والتخلف والتبعية والزيف.. ومن ثم يضع المثقف نفسه تحت السؤال قبل أن يضع الاخرين تحته، ولهذا يظل الفعل الثقافي تحاصره حالة الندرة- لأن بناء الوعي لا يمنح صاحبه دائماً شهرة سريعة وقد يجعله أحياناً خارج دوائر الرضا والقبول
وربما لهذا لا نعاني اليوم من نقص في النشاطات بقدر ما نعاني من تضخمها المتطرف حتى أصبح المشهد يستهلك الثقافة باسم الثقافة ويعيد إنتاج فراغه بوضوح داخل قاعات مكتظة.. والمفارقة الأكثر قسوة أننا قد نمتلك الاف الفعاليات الثقافية، ثم نكتشف في آخر المطاف أن ما كان يتحرك طوال الوقت لم يكن الثقافة نفسها- وإنما الأسماء حولها
وحين يصبح عدد الأنشطة أكبر من عدد الأسئلة التي تتركها في المجتمع.. فعلينا أن نشك في أننا أمام حياة ثقافية؛ فقد نكون ببساطة أمام جنازة طويلة للثقافة- يتبادل المشاركون فيها التكريمات وهم لا ينتبهون إلى الجثمان.
بين النشاط الثقافي والفعل الثقافي- بعدما تتحول الثقافة إلى حركة بلا أثر … بقلم خليفة عبد السلام
IMG 20261005 110831
